لحظة حب حالمة
مع أول خيوط المساء , و مع بهاء وميض ذلك الشفق الذهبي الراحل ,
بدأت فراشة ريشتي تنظم تلك الحروف , و كانت تلك هي أول مرة أخالف
تشريعات الكتابة , لقد سطرت ريشتي كلمات بيضاء على صحيفة حياتي السوداء ,
كنت دائما أعبر عما يجول في خاطري بقطرات من المداد الأسود , و لكن ذلك اليوم
قطرات ريشتي تراءت لي حبات من اللجين , تبتدع منها الكلمات ,
ثم ترسم تلك الكلمات لوحة فنية ساحرة عندما تتلاحم لتشكل
جملا , تجتاح الكون بتعبيراتها الشفافة , لتتسلل إلى حنايا القلوب ,
برقتها و رفعتها المتسامية إلى عرش المشاعر و الأحاسيس, و تنصاع تلك الأفئدة ,
بكل ما فيها من دفء وحنان و شاعرية , لتمسي أسيرة تلك الجمل الراقية ,
و دون أن يشعر مالكوها , أنهم باتوا في خضم بحر سجن كلماتي , لقد تاهت ألبابهم عنهم
و أبحروا معي بعواطفهم ليصيغوا منها مجاديف , يجدفون بها في قاربي ,
كي نصل معا إلى مرسى عالم خيالي الواسع , بدت لي ريشتي الهرمة حورية بارعة الحسن ,
و بدا لي كتابي العفن , شابا وسيما , و بدأت أخط تلك الكلمات لأعبر
عن مكنونات خبايا حسي المرهف , عندما هل البدر علي , على غير عادته , لينير دربي القاتم ,
نعم إنه النور الإلهي الذي ينبثق من وجه تلك الفاتنة , التي تتمايل بخصرها النحيل , و عودها الجميل , ورمشها الكحيل , على أوتار ابتسامتي الجذابة , لقد نقلتني تلك الحسناء ,
إلى غمار الهيام بنظرة رمقتني بها , و تسللت إلى خلايا جسدي و تدفقت في عروقي ,
و أخذت تبني لها بيتا في كل قطرة من قطرات دمي ,
و راحت تتسرب إلى دمع أحداقي لتصوغ شلالا من اللؤلؤ يتناثر على وجنتي ,
يا لتلك اللحظة الحالمة , لقد أحسست أن كرسيي المتحرك
لأول مرة منبر للعاشقين ، أغرد من خلاله لحن الحب النقي السامي , لقد غمرتني
عينا تلك الغانية , في نبع الابتسامة , و إذا الفرحة تراقص أحزاني , فأحالت شجوني
إلى سعادة , و يأسي و قنوطي إلى شعاع أمل , و خريف هرمي إلى ربيع العنفوان ،
و موتي إلى حياة , نعم لقد نصبت نفسي ملكا على عرش الهوى , انتابني شعور
أشبه بالوهم ، لقد حلقت عاليا بمشاعري , إلى كوكب لا ينتمي إلى الكواكب التي نعرفها
إنما هو جنة من جنان العشق , كل ما فيه يوحي أنني بلغت سدرة المنتهى للغرام , كنت
أظن أن هذا الكوكب خلق لأجلي , بدأت أشدو ترنيمة ألحان غزلي في مقلتي ملهمتي التي
تقف بقربي , و هي ترنو إلي بكل ما فيها من أحاسيس , و تتناغم مع ألحان قصائد عشقي
لتهمس إلي بكلمة كانت قد نسجتها من حبات اللؤلؤ الذي يقطر من بين أجفانها ,
انسابت تلك اللآلئ لترتسم على وادي نحرها , لتكّون حروفا , لملمتها بمخيلتي فكانت
تلك الكلمة , أحبك ... أحبك .... نعم أحبك , لم تسنح لي عواطفي الجياشة حينها ,
عندما لملمت تلك الحروف المبعثرة , التي ازدانت بحبات اللؤلؤ , لتصنع عقدا يزين عنقها ,
أن ألملم كل الحروف , لقد كنت قصير النظر , و لم أجمع كل تلك الحروف
إنما اكتفيت بجمع حروف كلمة واحدة من الجملة
و عندما أمعنت البصر جيدا , و تأملت أناملها الوردية ، شاهدت خاتم خطبة في يدها ، تكاملت بعدها عندي حبات اللؤلؤ ليكتمل العقد و تكتمل الجملة , و خلتها تخاطبني : أحبك و إنما أنا أسيرة محبس الخطبة , الذي حبست في سجنه رغما عني , لقد كانت مشاهدتي ذلك الخاتم في أناملها كافية لتحيك كفن عشقي , و سراب هيامي , لقد فاتني قطار الهوى ,
و غدرت بي الحياة مثل كل مرة , و غرست خنجرها المسموم في قلبي ,
لأرتمي قتيلا على رصيف هامش صفحاتها المهترئة , عندما نظرت إلى أناملها ,
أدركت أن هذا الخاتم البديع لابد قاتلي , وكان ذلك المحبس , مشنقة
حبي الواهي , و نهاية قصة حب لم تلبث أن بدأت .
الكاتب : عصام عبد الغني طلب
عضو الجمعية السورية للموهبة والإبداع
التاريخ 3/1/2006