صدر للشاعر العربيّ الفلسطيني محمود درويش كتاب جديد وسمه بـ "أثر الفراشة" فى نهاية شهر ديسمبر الماضي، وهو يضمّ مجموعة كبيرة من النصوص التى قال عنها الشاعر إنّها كُتِبَتْ بين سنتَيْ 2006 و2007... وحاول الانزياح بها صوب النثر من خلال ما أضاف للعنوان من هامش متضمّنٍ للفظة "يوميات" بما قد تُحيل عليه من نثرٍ ومن تفاصيل لا يسعها القول الشعريّ.
ونعرض على القارئ فى ما يلى مجموعة من نصوص هذا الكتاب التى نشرتها دار رياض الريس:
* ذباب أَخضر
أَلمشهد هُوَ هُوَ. صيفٌ وعَرَقٌ، وخيال
يعجز عن رؤية ما وراء الأفق. واليوم
أفضلُ من الغد. لكنَّ القتلى هم الذين
يتجدّدون. يُولَدُون كُلَّ يوم. وحين يحاولون
النوم يأخذهم القتلُ من نعاسهم إلى نومٍ
بلا أحلام. لا قيمة للعدد. ولا أَحد
يطلب عوناً من أحد. أصوات تبحث عن
كلمات فى البرية، فيعود الصدى واضحاً
جارحاً: لا أَحد. لكن ثمَّـةَ من يقول:
من حق القاتل أن يدافع عن غريزة
القتل . أمَّا القتلى فيقولون متأخرين:
من حق الضحية أن تدافع عن حَـقِّها في
الصراخ .
يعلو الأذان صاعداً من وقت
الصلاة إلى جنازات متشابهة: توابيتُ
مرفوعةٌ على عجل، تدفن على عجل... إذ لا
وقت لإكمال الطقوس، فإنَّ قتلى آخرين
قادمون، مسرعين، من غاراتٍ أخرى. قادمون
فُرَادى أو جماعات... أو عائلةً واحدةً لا
تترك وراءها أيتاماً وثكالي. السماء رماديَّةٌ
رصاصية، والبحر رماديٌّ أزرق. أَمَّا لون
الدم فقد حَجَبَتْهُ عن الكاميرا أَسرابٌ من
ذباب أَخضر!
***
صيفٌ خريفيٌّ على التلال كقصيدةٍ نثرية.
النسيم إيقاعٌ خفيف أحسُّ به ولا أَسمعه فى تواضُع
الشجيرات.
والعشب المائل إلى الأصفرار صُوَرٌ
تتقشَّفُ، وتُغرى البلاغة بالتشَبُّه بأَفعالها
الماكرة.
لا احتفاء على هذه الشِعاب إلَّا
بالـمُتاح من نشاط الدُوريّ، نشاطٍ يراوح
بين معنيً وعَبَث.
والطبيعة جسدٌ يتخفَّف
من البهرجة والزينة، ريثما ينضج التين والعنب
والرُمَّان ونسيانُ شهواتٍ يوقظها المطر.
لولا
حاجتى الغامضة إلى الشعر لَـمَا كنت فى حاجة
إلى شيء ـ يقول الشاعر الذى خَفَّتْ حماسته
فقلَّت أخطاؤه.
ويمشى لأن الأطباء نصحوه
بالمشى بلا هدف، لتمرين القلب على لامبالاةٍ ما
ضروريةٍ للعافية.
وإذا هجس، فليس
بأكثر من خاطرة مجانيّة. الصيف لا يصلح
للإنشاد إلّا فى ما ندر.
الصيف قصيدةٌ
نثريَّةٌ لا تكترث بالنسور المحلِّقة فى الأعالي.
* ليتنى حجر
لا أَحنُّ إلى أيِّ شيءٍ
فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضرى يتقدَّمُ أَو يتراجَعُ
لا شيء يحدث لي!
ليتنى حَجَرٌ ـ قُلْتُ ـ يا ليتني
حَجَرٌ ما ليصقُلَنى الماءُ
أَخضرُّ، أَصفَرُّ ... أُوضَعُ فى حُجْرَةٍ
مثلَ مَنْحُوتةٍ، أَو تماريـنَ فى النحت...
أو مادَّةً لانبثاق الضروريِّ
من عبث اللاضروريّ ...
يا ليتنى حجرٌ
كى أَحنَّ إلى أيِّ شيء!
* أَبعد من التماهي
اجلسُ أمام التلفزيون، إذ ليس فى وسعي
أن أفعل شيئاً آخر.
هناك، أمام التلفزيون،
أَعثُرُ على عواطفي، وأَرى ما يحدث بى ولي.
ألدخان يتصاعد مني.
وأَمدُّ يدى المقطوعةَ
لأمسك بأعضائى المبعثرة من جسومٍ عديدة،
فلا أَجدها ولا أهرب منها من فرط جاذبيّة
الألم.
أَنا المحاصَرُ من البرِّ والجوِّ والبحر واللغة.
أقلعتْ آخرُ طائرةٍ من مطار بيروت
ووضعتنى أمام التلفزيون، لأشاهد بقيَّة موتي
مع ملايين المشاهدين، لا شيء يثبت أني
موجود حين أفكِّر مع ديكارت، بل حين ينهض
منى القربان، الآن، فى لبنان.
أَدخُلُ في
التلفزيون، أنا والوحش.
أَعلم أنَّ الوحش
أقوى منى فى صراع الطائرة مع الطائر.
ولكني
أَدمنت، ربما أكثر مما ينبغي، بُطُولَةَ المجاز:
التهمنى الوحشُ ولم يهضمني.
وخرجتُ سالماً
أكثر من مرة. كانت روحى التى طارت شَعَاعاً
منى ومن بطن الوحش تسكن جسداً آخر
أَخفَّ وأَقوى، لكنى لا أعرف أين أنا
الآن: أمام التلفزيون، أم فى التلفزيون.
أما القلب فإنى أراه يتدحرج، ككوز صنوبر،
من جبل لبنانى إلى رَفَح!
* نيرون
ماذا يدور فى بال نيرون، وهو يتفرّج على
حريق لبنان؟ عيناه زائغتان من النشوة،
ويمشى كالراقص فى حفلة عُرْسٍ: هذا الجنون،
جنوني، سيِّدُ الحكمة. فلتُشْعلوا النار في
كل شيء خارج طاعتي.
وعلى الأطفال أَن
يتأدَّبوا ويتهذَّبوا ويكُفُّوا عن الصراخ بحضرة
أنغامي!
وماذا يدور فى بال نيرون، وهو يتفرَّج على
حريق العراق؟
ايسعِدُهُ أن يُوقِظَ فى تاريخ
الغابات ذاكرة تحفظ اسمه عَدُوّاً لحمورابي
وجلجامش وأَبى نواس: شريعتى هى أُمُّ
الشرائع.
وعشبة الخلود تنبت فى مزرعتي.
والشعر؟..
ما معنى هذه الكلمة؟
وماذا يدور فى بال نيرون، وهو يتفرَّج على
حريق فلسطين؟
يُبهجه أن يدرج اسمه فى قائمة
الأنبياء نبيّاً لم يؤمن به أَحد من قبل... نبيّاً
للقتل كلَّفه الله بتصحيح الأخطاء التى لا حصر
لها فى الكتب السماوية: أنا أَيضاً كليمُ الله!
وماذا يدور فى بال نيرون وهو يتفرَّج على
حريق العالم؟ أنا صاحب القيامة.
ثم يطلب
من الكاميرا وقف التصوير، لأنه لا يريد
لأحد أن يرى النار المشتعلة فى أَصابعه،
عند نهاية هذا الفيلم الأميركى الطويل!
* حَمَام
رفٌّ من الحمام ينقشع فجأة من خلل الدخان.
يلمع كبارقة سِلْمٍ سماوية.
يحلِّق بين الرماديّ
وفُتات الأزرق على مدينة من ركام. ويذكِّرنا
بأن الجمال ما زال موجوداً، وبأن اللا موجود
لا يعبث بنا تماماً إذ يَعِدُنا، أو نظنُّ أنه
يعدنا بتجلِّى اختلافه عن العدم. فى الحرب
لا يشعر أَحد منا بأنه مات إذا أَحسَّ
بالألـم. الـموت يسبق الألـم. والألـم هـو
النعمة الوحيدة فى الحرب.
ينتقل من حيّ إلي
حيّ مع وقف التنفيذ. وإذا حالف الحظّ أحداً
نسيَ مشاريعه البعيدة، وانتظر اللاموجود
وقد وُجِدَ مُـحَلِّقاً فى رفِّ حمام.
أرى فى سماء
لبنان كثيراً من الحمام العابث بدخان يتصاعد
من جهة العدم!
* البيتُ قتيلاً
بدقيقة واحدة، تنتهى حياةُ بيتٍ كاملة. البيتُ
قتيلاً هو أيضاً قَتْلٌ جماعيّ حتى لو خلا من
سُكَّانه. مقبرة جماعية للموادّ الأولية الـمُعَدَّةِ
لبناء مبنى للمعنى، أو قصيدةٍ غير ذات
شأن فى زمن الحرب.
البيت قتيلاً هو
بَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء
المشاعر. وحاجةُ التراجيديا إلى تصويب
البلاغة نحو التَّبَصُّر فى حياة الشيء. في
كل شيء كائنٌ يتوجَّع... ذكرى أَصابع
وذكرى رائحة وذكرى صورة.
والبيوت تُقْتَلُ
كما يُقْتَلُ سكانها.
وتُقْتَلُ ذاكرةُ الأشياء:
الحجر والخشب والزجاج والحديد والإسمنتُ
تتناثر أشلاء كالكائنات.
والقطن والحرير
والكتّان والدفاتر والكتب تتمزّق كالكلمات التي
لم يتسَنَّ لأصحابها أن يقولوها.
وتتكسَّر
الصحون والملاعق والألعاب والأسطوانات والحنفيّات
والأنابيب ومقابض الأبواب والثلَّاجة والغسَّالة
والمزهريات ومرطبانات الزيتون والمخللات والمعلبات
كما انكسر أصحابها.
ويُسحق الأبْيَضَان الملح
والسُّكَّر، والبهارات وعلب الكبريت وأقراص الدواء
وحبوب منع الحمل والعقاقير الـمُنَشطة وجدائل
الثوم والبصل والبندورة والبامية الـمُجَفَّفة والأرُزُّ
والعدس، كما يحدث لأصحابها.
وتتمزَّق عقود
الإيجار ووثيقة الزواج وشهادة الميلاد وفاتورة
الماء والكهرباء وبطاقات الهوية وجوازات السفر
والرسائل الغرامية، كما تتمزّق قلوب أَصحابها.
وتتطاير الصُّوَر وفُرَشُ الأسنان وأمشاط
الشَّعْر وأدوات الزينة والأحذية والثياب
الداخلية والشراشف والمناشف كأسرار عائلية
تُنْشَرُ على الملأ والخراب.
كل هذه الأشياء
ذاكرةُ الناس التى أُفْرِغَتْ من الأشياء، وذاكرة
الأشياء التى أُفْرِغَتْ من الناس... تنتهي
بدقيقة واحدة. أشياؤنا تموت مثلنا. لكنها
لا تُدْفَنْ معنا!
* مَكْرُ المجاز
مجازاً أقول: انتصرتُ
مجازاً أقول: خسرتُ ...
ويمتدُّ وادٍ سحيقٌ أمامي
وأَمتدُّ فى ما تبقَّى من السنديانْ ...
وثَمَّة زيتونتان
تَلُـمَّاننى من جهاتٍ ثلاثٍ
ويحملنى طائرانْ
إلى الجهة الخاليةْ
من الأَوْج والهاويةْ
لئلَّا أقول: انتصرتُ
لئلَّا أقول: خسرتُ الرهانْ!
* واجب شخصي
هتفوا له: يا بطل! واستعرضوهُ في
الساحات. نَطَّتْ عليه قلوب الفتيات
الواقفات على الشرفات، ورششنه بالأَرُزِّ
والزنبق.
وخاطبه الشعراء المتمردون علي
القافية بقافية ضروريّة لتهييج اللغة:
يا بَطَلْ! أنتَ الأَمَلْ .
وهو، هو
المرفوع على الأكتاف رايةً منتصرة، كاد
أن يفقد اسمه فى سيل الأوصاف.
خجول كعروس فى حفلة زفافها. لم أفعل
شيئاً. قمت بواجبى الشخصي.
فى صباح
اليوم التالي، وجد نفسه وحيداً يستذكر
ماضياً بعيداً يلوِّح له بيد مبتورة الأصابع
يا بطل! أنت الأمل . يتطلع حوله
فلا يرى أحداً من المحتفلين به البارحة.
يجلس فى جُحرْ العزلة. ينقِّبُ في
جسده عن آثار البطولة. ينتزع الشظايا
ويجمعها فى صحنِ تَنَك، ولا يتألم...
ليس الوجع هنا.
الوجع فى موضع آخر.
لكن من يستمع الآن إلى استغاثة القلب؟
أحسَّ بالجوع. تفقَّد معلبات السردين والفول
فوجدها منتهية الصلاحية. ابتسم وغمغم:
للبطولة أيضاً تاريخ انتهاء صلاحية .
وأدرك أنه قام بواجبه الوطنيّ!
* عَدُوّ مشترك
تمضى الحرب إلى جهة القيلولة. ويمضي
المحاربون إلى صديقاتهم متعبين وخائفين على
كلامهم من سوء التفسير: انتصرنا لأننا
لم نمت.
وانتصر الأعداء لأنهم لم يموتوا.
أمَّا الهزيمة فإنها لفظة يتيمة. لكنَّ المحارب
الفرد ليس جندياً بحضرة من يُحبُّ: لولا
عيناك الـمُصَوَّبتان إلى قلبى لاخترقتْ رصاصةٌ
قلبي! أو: لولا حرصى على ألاَّ أُقْتَلَ
لما قتلتُ أحداً! أو: خفت عليك من
موتي، فنجوت لأطمئنك عليَّ. أو: البطولة
كلمة لا نستخدمها إلّا على المقابر.
أو: فى المعركة لم أفكِّر بالنصر،
بل فكرت بالسلامة
وبالنمش على ظهرك. أو: ما أَضيق الفرق
بين السلامة والسلام وغرفة نومك. أو:
حين عطشتُ طلبتُ الماء من عدوى ولم
يسمعني، فنطقت باسمك وارتويت...
المحاربون من الجانبين يقولون كلاماً متشابهاً
بحضرة من يُحِبُّون. أمَّا القتلى من الجانبين،
فلا يدركون إلّا متأخرين، أن لهم عدواً
مشتركاً هو: الموت...
reem mansour ........ كلمات حقا لها معنى قد قل وجود ها .... و انا بموت بمحمود درويش
* ليتنى حجر
لا أَحنُّ إلى أيِّ شيءٍ
فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضرى يتقدَّمُ أَو يتراجَعُ
لا شيء يحدث لي!
ليتنى حَجَرٌ ـ قُلْتُ ـ يا ليتني
حَجَرٌ ما ليصقُلَنى الماءُ
أَخضرُّ، أَصفَرُّ ... أُوضَعُ فى حُجْرَةٍ
مثلَ مَنْحُوتةٍ، أَو تماريـنَ فى النحت...
أو مادَّةً لانبثاق الضروريِّ
من عبث اللاضروريّ ...
يا ليتنى حجرٌ
كى أَحنَّ إلى أيِّ شيء!
ملتقى طلاب الجامعة... منتدى غير رسمي يهتم بطلاب جامعة دمشق وبهم يرتقي...
جميع الأفكار والآراء المطروحة في هذا الموقع تعبر عن كتّابها فقط مما يعفي الإدارة من أية مسؤولية WwW.Jamaa.Net