- في مغايرة لشخصية (العقيد أبو شهاب) التي حظيت بشعبية كبيرة في مسلسل الأجزاء التي لا تنتهي «باب الحارة»، يؤدي الفنان السوري سامر المصري شخصية خفيفة الظل محمّلة بنفس كوميدي معقول جداً في المسلسل الرمضاني الجديد «أبو جانتي.. ملك التاكسي».
وبدون حكاية بعينها، وبدون تصاعد درامي يصل ذروته في واحدة من الحلقات، يصول المصري في المسلسل المنتج بإشرافه وعن نص له ومن وحي أفكاره، ويجول على امتداد رمضان الحالي مواصلا حلقات المسلسل من خلال المواقف التي يتعرض لها أثناء عمله سائقاً لمركبة عمومية.
ولجعل الشخصية قريبة من نبض الشارع وعاكسة وجدانه وميوله وتطلعاته، فإن أبو جانتي المعتز بسيارته والمعتني فيها كأنها عروس ليلة زفافها، يخطيء أحياناً، ويتعثر، ويتعرض لمواقف خطرة، وربما مضحكة، وفي حالات أخرى مستفزة. وهو يغضب شهامة أو تمسكاً بقيم كبرى تربى عليها الناس وتوارثوها كابراً عن كابر، كحب الوطن وعدم الخيانة ولا الغدر ولا النذالة ولا التراجع عن كلمة قيلت أو وعد قُطع.
سامر المصري كما لو أنه في «أبو جانتي .. ملك التاكسي»، يرغب بإيصال رسالة مفادها أنه ليس من الفنانين الذين (يدخلون بالحيط) من أول عثرة، وأن عدم تفاهمه مع منتجي مسلسل ما لا يعني فشله وانحسار شعبيته، ويبدو أنه يود الذهاب إلى أكثر من ذلك من خلال نجاح المسلسل الذي تعرضه من إخراج زهير أحمد قنوع روتانا خليجية وقت الإفطار تقريباً، مراهنة على نجاحه عبر تعلق الناس بالفنان سامر المصري ومتابعته في أي وقت وبغض النظر إن كان العقيد أبو شهاب (بشواربه) المرسومة التي يقف عليها الصقر دون أن يرف له جفن، أو كان المواطن البسيط الظريف أبو جانتي الذي يحلق مرة ويخفق في أخرى، يُرزق مرة ويشح قنديل زيته في أخرى. ولكن في الوقت نفسه صاحب القلب القوي والشهامة الفطرية والهبّة العفوية.
(شوفير تاكسي) يجول المدينة في شخصية لها طقوسها في العمل، ويتعامل مع الجيد والسيئ، الجميل والقبيح، المجرم والمسالم، الخانع والمشاكس، صاحب الخيانات الصغيرة وصاحبة الرغبات المشروخة، المحلي والأجنبي، الراغب بالهجرة والباحث عن فرصة أخرى.
المصري ليس وحده رافع نجاح العمل، فمعه فريق كوميدي متميز: الفنان أيمن رضا بدور متجدد الطزاجة، الفنان أندريه سكاف، الفنانة تاج حيدر بدور لا ينسى لها (عواطف شقيقة أبو جانتي الطيبة البسيطة المهضومة الحالمة بالفارس صاحب الفرس الأبيض)، الفنانة القديرة سامية الجزائري، الفنانة شكران مرتجى، الفنان جيني إسبر بدور صغير ولكنه معقول جداً، الفنان فادي صبيح وأدهم مرشد وآخرون.
«أبو جانتي/ ملك التاكسي» هو حلم سامر المصري الذي تحقق أخيراً. فكرة لمعت في رأس فنان فذ بعد حلقة مصغرة له في واحد من أجزاء «بقعة ضوء» الكثيرة والمتواصلة بنجاح ممتد على مساحة ثمانية أعوام ماضية.
ومع تواصل عرض حلقات المسلسل، يبدو المشهد مختلفا في (تكاسي) دمشق وعواصم عربية أخرى، إذ يحاول كثير من سائقيها التماهي مع سائق (اللانسر) سامر المصري، ويبدو ذلك جليا من طريقة كلامهم ولباسهم أيضا،
ويتفاقم الحال مع (خالد العُقدة) الذي اطلق على نفسه لقب أبو جانتي، محاولا تخفيف دمه وملاطفة الزبائن، وإبداء جاهزيته للمساعدة في حال تطلب الأمر ولكن للصبايا فقط، كون أغنية المسلسل تلمح الى أن الصبايا يتهافتن على تكسي أبو جانتي، ولأن الشيء بالشيء يذكر تصدح (مسجلات) التكاسي بتلك الأغنية، فيما يرددها السائقون عن ظهر قلب، ويغالون في تكرارها.
والأهم أن شخصية أبو جانتي الخيرة، انعكست بشكل إيجابي على بعض السائقين الذين حسّنوا تعاملهم مع الزبائن، فشهامة أبو جانتي صنعت العجائب؟
الشعبية الكبيرة التي يحظى بها «أبو جانتي .. ملك التاكسي»، تشير إلى جوهر المِزاج العام الذي يعكس وجدان الشارع العربي، ويحدد وجهاته، وفي بعض هذه الوجهات رغبة بالتخلص من التجهم، وتجنب الأعمال الكبرى، والخوض في القضايا الكبرى. إنهم يحتاجون على ما يبدو إلى ما يساعد في هضمهم لأطايب إفطارهم، شيء خفيف الظل (صحن شوربة مثلا) يتحلقون حوله بحثاً عن ضحكة تخرج من القلب، وتزيل الهم والغم والنكد، وتنسّيهم بعض ما يعكر صفوهم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
منقووووول