في كل مساء،
حين تدق الساعة نصف الليل،
وتذوي الأصوات
أتداخل في جلدي أتشرب أنفاسي
و أنادم ظلي فوق الحائط
أتجول في تاريخي، أتنزه في تذكاراتي
أتحد بجسمي المتفتت في أجزاء اليوم الميت
تستيقظ أيامي المدفونة في جسمي المتفتت
أتشابك طفلاً وصبياً وحكيماً محزوناً
يتآلف ضحكي وبكائي مثل قرار وجواب
أجدل حبلا من زهوي وضياعي
لأعلقه في سقف الليل الأزرق
أتسلقه حتى أتمدد في وجه قباب المدن الصخرية
أتعانق و الدنيا في منتصف الليل.
حين تدق الساعة دقتها الأولى
تبدأ رحلتي الليلية
أتخير ركنا من أركان الأرض الستة
كي أنفذ منه غريباً مجهولاً
يتكشف وجهي، وتسيل غضون جبيني
تتماوج فيه عينان معذبتان مسامحتان
يتحول جسمي دخان ونداوه
ترقد أعضائي في ظل نجوم الليل الوهاجة و المنطفأة
تتآكلها الظلمة و الأنداء، لتنحل صفاء وهيولي
أتمزق ريحا طيبة تحمل حبات الخصب المختبئة
تخفيها تحت سراويل العشاق.
و في أذرعة الأغصان
أتفتت أحياناً موسيقى سحرية
هائمة في أنحاء الوديان
أتحول حين يتم تمامي -زمناً
تتنقل فيه نجوم الليل
تتجول دقات الساعات
كل صباح، يفتح باب الكون الشرقي
وتخرج منه الشمس اللهبية
وتذوّب أعضائي، ثم تجمدها
تلقي نوراً يكشف عريي
تتخلع عن عورتي النجمات
أتجمع فاراً ، أهوي من عليائي،
إذ تنقطع حبالي الليلة
يلقي بي في مخزن عاديات
كي أتأمل بعيون مرتبكة
من تحت الأرفف أقدام المارة في الطرقات.
صلاح عبد الصبور هو أحد أهم رواد حركة الشعر الحر العربي
كما يعدّ واحداً من الشعراء العرب القلائل
الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي
وفي التنظير للشعر الحر .
وُلد الشاعر صلاح عبد الصبور عام 1931
في إحدى قرى شرقيّ دلتا النيل
وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية.
ثم درس اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة
فؤاد الأول (القاهرة حاليا)
وفيها تتلمذ على الرائد المفكر الشيخ أمين الخولي
الذي ضم تلميذه صلاح إلى جماعة (الأمناء)
التي كوّنها, ثم إلى (الجمعية الأدبية) التي ورثت
مهام الجماعة الأولى.
وكان للجماعتين تأثير كبير على حركة
الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.
و قد أخذ يكتب صلاح عبد الصبور الشعر في سن مبكرة وكان ذلك في مرحلة دراسته الثانوية ، ثم أخذ ينشر قصائده في مجلة الثقافة القاهرية والآداب البيروتية و شغل صلاح عبد الصبور عدة أعمال ، حيث عيّن بعد تخرجه مدرسا بوزارة التربية والتعليم إلا أنه استقال منها ليعمل بالصحافة ، وفي عام 1961م عيّن بمجلس إدارة الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، وشغل عدة مناصب بها.
تنوعت المصادر التي تأثر بها إبداع صلاح عبد الصبور
من شعر الصعاليك إلى شعر الحكمة العربي,
مروراً بسيَر وأفكار بعض أعلام الصوفيين العرب
مثل الحلاج وبشر الحافي, اللذين استخدمهما
كأقنعة لأفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات.
كما استفاد الشاعر من منجزات الشعر الرمزي
الفرنسي والألماني (عند بودلير وريلكه)
والشعر الفلسفي الإنجليزي
(عند جون دون وييتس وكيتس وت. س. إليوت بصفة خاصة)
ولم يُضِع عبد الصبور فرصة إقامته بالهند
مستشارا ثقافياً لسفارة مصر,
بل أفاد من كنوز الفلسفات الهندية
ومن ثقافات الهند المتعددة.
و قد تنوعت أعمال صلاح عبد الصبور بين المسرحيات
التي كتبها ، وبين دواوينه الشعرية
وبين دراساته ومقالاته الأدبية
كتب عبد الصبور خمس مسرحيات هي
" مأسـاة الحلاج "(1964) وهي تعالج قصة استشـهاد الحسـين بن المنصور المشهور بالحلاج في بغداد عام 309 هـ ، بعد محاكمة أمام ثلاثة قضاة، وتتخذ من شخصية الحلاج الذي كان شاعرا متصوفا ومصلحا اجتماعيا في آن واحد مناسبة لطرح قضية الالتزام وقد كان تأثره في هذه المسرحية بالشاعر الإنجليزي إليوت واضحا جدا ، وهذه المسرحية جاءت شبيهة بمسرحية إليوت: " جريمة قتل في الكاتدرائية ".
مسرحية" مسافر ليل " (1968) وهى مسرحية طليعية قصيرة تأثر فيها عبد الصبور بمسرح العبث ، موضوعها القهر والانهزام أمام السلطة.
مسرحية " الأميرة تنتظر" (1969) ولجأ فيها الكاتب إلى عالم الأساطير وأجواء ألف ليلة وليلة ، وتتحدث عن قصة الأميرة ووصيفاتها الثلاث ، وهي تصور ما يتعرض له الإنسان من قهر وظلم.
مسرحية" بعد أن يموت الملك "(1975)
وتتناول فكرتها الرئيسية الصراع بين الخير والشر
وتنتهي بانتصار الخير على الشر بعد صراع عنيف بينهما.
مسرحية" ليلى والمجنون " (1971)
تتصف هذه المسرحية الشعرية بالطابع الاجتماعي
حيث إنها تتناول قضية تمس المثقفين في مصر قبل
ثورة 1952 الذين فقدوا القدرة على الحب
وهي تحكي قصة مجموعة من الصحفيين الشباب
فقدوا القدرة على الحب بسبب المناخ العام ،
ويطرح رئيس التحرير حلاً لأزمتهم وهو أن يقوموا
بتمثيل مسرحية رومانسية عن الحب ،
ويختار لهم مسرحية" مجنون ليلى " لشوقي
ويظهر التباين الشديد بين العاشقين ليلى والمجنون
ونظيريهما المعاصرين ليلى وسعيد.
و كان ديوان (الناس في بلادي) (1957)
هو أول مجموعات عبد الصبور الشعرية
كما كان ـ أيضًا ـ أول ديوان للشعر الحديث
(أو الشعر الحر, أو شعر التفعيلة)
يهزّ الحياة الأدبية المصرية في ذلك الوقت.
وعلى امتداد حياته التي أصدر عبد الصبور عدة دواوين
من أهمها (أقول لكم) (1961)
(أحلام الفارس القديم) (1964)
(تأملات في زمن جريح) (1970)
(شجر الليل) (1973)
و(الإبحار في الذاكرة) (1977).
كما نُشرت للشاعر كتابات نثرية عديدة منها
(حياتي في الشعر)
(أصوات العصر)
(رحلة الضمير المصري)
(على مشارف الخمسين).
و قد توفى الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور عام 1981 .
و قد اعتبر شعر صلاح عبد الصبور علامة فاصلة في الحياة الشعرية المصرية يؤرخ فيها لما كان قبله ولما جاء بعده. ومن العلامات التي تميز بها الشاعر هي قدرته على تحويل المسار الذي قبله، و ختط لنفسه طريقا جديدا، واقتحم بشعره فضاءات مغايرة ، فضاءات تحمل من غوايات التحول ما يغري الاخرين بالاتجاه اليها .
كما اعتبر الكثير تجربة عبد الصبور في الشعر العربي والمصري مع مطلع الخمسينيات من القرن الماضي احدى العلامات الاساسية في افتراق الشعر العربي الحديث عما سبقه.
و قد قيل عنه ان عبد الصبور
صاغ اول مسرحيات شعرية درامية متكاملة
شملت عناصر المسرح المتعارف عليها .