# مقدمة :
لما كانت التربية تُعنى بفلذات الأكباد، ليكونوا حملة للأمجاد، ولما كان الأبناء محط الأنظار، تحاورت بشأنهم الأفكار، وتعددت طرق التربية والتمحيص، فصار هَمُّ المربين والباحثين، الغور في أفضل التجارب للتأسيس.
فتألفت في المجتمعات ينابيع العلم والمعرفة , بشتى أنواعها وأشكالها , و أهدت من بينها أدب الطفل , وفيه قصة الطفل ؛ باباً من أوسع أبواب تنشئة الطفل وتربيته .
منذ أواسط الستينات من القرن المنصرم أضحت التربية بعدا مهما من أبعاد التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، وفي تحليل الظواهر الاجتماعية عموما , وما يتصل بها بتنمية الإنسان و المجتمع على وجه الخصوص. وبذلك ظهر الاستثمار في مجالات النشاط الإنساني , وأهم ما نستثمر , هو إنسان المستقبل , وطفل اليوم .
والقصة لون لامع من ألوان الأدب , محبب للصغار والكبار , ومما يحب الأطفال , نربيهم منه , ونجعله يصرخ فيهم بزرع القيم المرغوبة لديهم , فكانت التربية بالقصة .
والدراسة النقدية , سبيل ذا إمكانيات واسعة بتطوير قصة الطفل إحدى وسائل تربيته , لذا كان لزاماً علينا الاهتمام به كمربين , والإطلاع على جانب مهم له بالغ الأثر في تكوين الطفل الناشئ .
ومما تقدم , يصبح من نافلة القول الحديث عن الحاجة المؤدية للعلوم الإنسانية , التي من بينها أدب الطفل , في مجتمع مازال في طور النمو وجعل من تحقيق الامتياز شعارا يسعى من ورائه إلى الانخراط في المجتمع الإنساني و الاقتراب قدر الإمكان من المجتمعات المتقدمة.
وقد آليت الرجوع إلى مصادر نقية للبحث في هذا الجانب , فوقعت على كتاب قيم "أدب الأطفال وثقافتهم" ونقلت هنا أشد ما يهمني في موضوعي , ثم اطلعت على كتاب مختصر مفيد في هذا الجانب "البلاغة والنقد" واستفدت من خيرة ما جاء فيه في موضوعي , وقبل أن أبدأ دراستي النقدية لقصة "الأصدقاء" للكاتب عارف الخطيب , فضَّلت نقل شيء مفيد عن هذا الموضوع من المرجعين المذكورين .
يقول الدكتور سمر روحي الفيصل : إن قصة الطفل الفنيّة تضم العناصر الآتية:
أ- الحكاية:
الحكاية، سواء أكانت للأطفال أم للكبار، مجموعة من الحوادث المرتَّبة زمنيّاً. غير أن حكاية الأطفال تمتاز من حكاية الكبار بالمحافظة على الترتيب التأريخي للزمن، بحيث تُرتَّب الحوادث ترتيباً تصاعدياً من البداية إلى النهاية دون أي تلاعب في هذا الترتيب. فالحدث الأول يعرض البيئة والشخصيّات، ويطرح بداية الفكرة الرئيسة، ثم ترد الحوادث الأخرى حاملة تفاعل الشخصيّات مع البيئة وحوادثها، فتنمو الفكرة الرئيسة وتتضح وتتأزّم ثم تؤول إلى نهاية محدَّدة معبِّرة عن المغزى بوضوح. أما الحوادث في حكايات الكبار فالترتيب التأريخي ليس شرطاً لازباً فيها، بل إنه أصبح دلالة على تقليدية القصة والرواية. وما ذكرتُه في التعريف من أن حكاية الكبار مرتَّبة زمنيّاً يعني أن الحوادث تقع حسب ترتيب زمني يرتضيه القاص، كأن يذكر الخاتمة في البداية ثم يعود إلى الوراء ليسرد الحوادث التي أدّت إلى هذه الخاتمة، أو يبدأ بالأزمة، أو يترك الحوادث تختلط وتتداعى في ذهن الشخصية، وما إلى ذلك من أمور تدخل حيّز التلاعب الفنّي بالحوادث. أما حكاية الأطفال في قصص الخيال العلمي وغيره فالترتيب التأريخي ضروري فيها، لأن الطفل غير قادر على استخدام ذكائه في أثناء القراءة ليربط بين الحوادث أو يعيد ترتيبها كما يفعل الكبير.
ثم إن حكاية الأطفال في البناء التقليدي للقصة لا تكون جيّدة ما لم توفّر للطفل التشويق وإثارة الفضول القرائي. وليست هناك طرائق محدّدة لبث التشويق في الحكاية، إلا أن الصراع شيء ضروري لتوفير التشويق في الحكاية، تليه في الأهمية إحاطة الحوادث بشيء من الغموض وبقدر من المفاجآت، وبشيء غير قليل من مخالفة توقّعات الطفل. والتشويق، في العادة، عمل فنّي صرف تابع لمقدرة الكاتب وفهمه حاجات الطفل ورغباته. وأستطيع القول إن سبب إقبال الأطفال على الحكاية الشعبية كامن في أنها ترسم عالماً موازياً للعالم الواقعي الذي يعيش الطفل فيه، يضم الخير والشر والسحر والجاذبية وقدراً كبيراً من مثيرات الخيال. كذلك الأمر بالنسبة إلى قصص الخيال العلمي، فهي تشد الطفل من خلال المتعة إلى عالم آخر مواز للعالم الواقعي، مملوء بالإثارة والمعارف الجديدة، وهذا ما يجعل الطفل يتعرّف الحياة بواقعها وآفاقها المستقبلية. وعمليّة التعرُّف التي تتقن قصص الأطفال أداءها ضرورية إذا أردنا لحكاية الأطفال أن تكون شائقة. وبتعبير آخر، فإن التشويق الذي أرجعتهُ إلى قدرة الكاتب وفهمه حاجات الطفل يعني الاهتمام بعمليّة التعرُّف والالتفات إلى أنها تؤدي عملاً تربوياً وجمالياً. إذ أن الطفل يحتاج إلى خبرات تجعله قادراً على التكيُّف الاجتماعي والتّحلّي بشخصية سليمة خالية من الصراعات الداخلية.
ب- الحبكة:
ترتبط الحبكة بمفهوم الحكاية، وهي غير مساوية للعقدة، لأنها الحوادث كما يطالعها القارئ في نص القصة، أيْ أنها الترتيب الذي يُقدِّم القاص بوساطته حوادث قصته إلى القارئ. فإذا قدَّم هذه الحوادث بحسب تسلسلها السببي والزمني(1- 2- 3- 4... الخ) طابقت بدايةُ الحبكة بدايةَ الحكاية. ولكن القاص على تقديم حبكات لا حصر لها للحوادث التي تضمّها حكايته. غير أن تقديم الحوادث بحسب تسلسلها الزمني والسببي ملائم للطفل، أيْ أن الحبكة في حكاية الأطفال تبدأ حيث تبدأ الحكاية، ولا يُشْتَرَط هذا الأمر في حكايات الكبار. إذ إن القاص الذي يملك حكاية مؤلَّفة من ثلاثة حوادث قادر على الإتيان بست حبكات:
الحبكة ترتيب الحوادث
1 1- 2- 3
2 1- 3- 2
3 2- 3- 1
4 2- 1- 3
5 3- 2- 1
6 3- 1- 2
فكيف تكون الحال إذا كان القاص يملك حكاية تضم كثيراً من الحوادث؟. إن الإمكانات وافرة للإتيان بحبكات كثيرة إذا كان النص موجَّهاً للكبار، في حين تحتاج حبكة الأطفال إلى البساطة والوضوح والتّمسُّك بترتيب الحوادث ترتيباً زمنيّاً وسببيّاً.
ت- الفكرة والمغزى والقيمة:
لا تخرج قصة الطفل عن الحيّز التربوي مهما تكن مكانتها عالية في سُلَّم الفن. إذ إن المتعة والترفيه ضروريّان للطفل، ولكنهما وسيلة القصة لأداء وظيفتها التربوية. وعلى الرغم من أننا نعلي من مكانة الترفيه والتسلية، ونحرص عليهما حرصاً شديداً ونعي وظيفتهما التربوية في تنمية شخصية الطفل، فإننا نطالب في الوقت نفسه بوظيفة تربوية أخرى تؤديها فكرة القصة، أو مغزاها، أو القيمة الواردة فيها.
فقد تعالج حوادث القصة فكرة معيّنة، كالرحلة إلى كوكب آخر في قصص الخيال العلمي، أو هجرة السنونو في الصيف والشتاء، وتعليل أشكال الحيوانات وطبائعها في القصص غير العلمية. وقد تؤدي الحوادث إلى مغزى معيّن، أو قيمة محدّدة كالحريّة والدفاع عن الأرض والوطن والعمل والصحة والتعاون وما إلى ذلك، وقد تلتقي في القصة الواحدة الفكرة والمغزى والقيمة، وقد تنفرد القصة بواحد من الأمور الثلاثة، إلا أن وظيفة القصة لا تتحقّق دون فكرة أو مغزى أو قيمة، ولا يكون تحقُّقها سليماً مؤثّراً في الطفل إذا كان طرحها مباشراً بأسلوب الوعظ والإرشاد.
ومن هنا نبعت أهميّة الأسلوب الضمني في الطرح. إذ إن الطفل ينفر من الوعظ والإرشاد، ويستعيد في أثناء قراءته القصة أو سماعه لها عالم المدرسة بما فيه من زجر وتنبيه وإرشاد(افعل كذا- اترك كذا- انتبه إلى كذا- تقيَّد بكذا- ابتعد عن كذا...).
ث- الشخصيّات:
اهتمام الطفل بالشخصية القصصية نابع من أنه يبحث دائماً عن أشياء يقتدي بها، ويرى فيها نفسه، ويحقّق من خلالها رغباته وطموحاته. ولابدَّ للشخصية القصصية من صفات تلتقي رغبات الطفل وحاجاته، وإلا فإنها تخفق في التأثير فيه. ولهذا السبب تحتاج قصة الطفل إلى الاهتمام بشخصية من الشخصيّات، بحيث ترفعها إلى مرتبة(البطل)، وتُبقي الشخصيّات الأخرى دائرة في فلكه. وبتعبير آخر، فإن البطل شيء رئيس في قصة الطفل، وكل قصة تخلو من البطولة الحقيقية تجعل الطفل يُصاب بخيبة أمل كبيرة. ذلك لأن البطل يُجسِّد آمال الطفل ورغباته، فإذا كانت الشخصيات متساوية في أهميتها أو مألوفة في الواقع، أو تفتعل المغامرة في الفضاء البعيد، خلت القصة من بؤرة شعور مركزية يقع الطفل فيها ويتمركز حولها ويقارن الآخرين بالاستناد إليها. وعيب كثير من قصص الأطفال في الوطن العربي أنها لا تهتم بالبطل، أو أنها تطرح بطولة هامشية بسيطة لا تثير الطفل، ولا تجعله يهتم بها اهتماماً حقيقياً. والخير في أن يلتزم القاص ببطل قصصي واحد، يكتب عنه قصصاً كثيرة، بحيث يراه الطفل في حالات متباينة، مما يضمن للكبار فرص تربية الطفل من خلال البطل.
بيد أن بطل القصة لا يكون مهماً عند الطفل إذا لم يكن واضحاً لديه. والوضوح هنا يعني أشياء كثيرة، أهمها أفعال البطل، إذ إن الأفعال العادية لا تشدّ الطفل إليها، فهو يحتاج إلى أفعال عظيمة فيها كثير من المغامرات والمفاجآت وتحدّي الصعاب ومقارعة الشر والأشرار. لابدَّ من أفعال ملموسة يؤديها البطل في أثناء نضاله من أجل المجتمع ومكافحته الشر، ومساعدته الصالحين والضعفاء وأصحاب الحقوق.
ومن الوضوح أن يكون للبطل اسم محدَّد، وصفات خُلُقية وخَلْقية معيَّنة. ومن السخف أن نعطي البطل رقماً كما هي الحال في بعض قصص الخيال العلمي، أو نطلق عليه صفة عامة كالحدَّاد والنجَّار ورائد الفضاء، لأن التسمية تُجسِّد ما يريده الطفل. كما أن الصفات الخُلُقية والخَلْقية ضرورية جداً تؤثّر في الطفل وتدفعه إلى التحلّي بها. صحيح أن البطل اللص أو المجرم يشدّ الطفل إليه، ويثير خياله، ولكنه، في هذه الحال، بطل سلبي ينقل قيماً لا ترضى التربية السليمة عنها. وهذه النقطة تشير إلى جانب آخر من وضوح البطل، هو نضاله الإيجابي، أيْ أن أفعال البطل تؤدي إلى شيء مثالي على الرغم من أن حوادث القصة تنقل إلى الطفل الحياة بحلوها ومرَّها. وليس هناك شيء من التناقض بين نقل الحياة بحلوها ومرَّها(أي تحقيق عملية التعرُّف) وبين قيادة القصة للتعبير عن شيء مثالي. ذلك لأننا ننقل الحياة بحلوها ومرِّها إلى الطفل لنُعرِّفه بها ونعدّه للمستقبل، إلا أننا نعي، في الوقت نفسه، أن الطفل غير قادر على تقييم الأمور بالاعتماد على عقله، وأن أحداث الحياة لا تضم دوماً انتصار الخير على الشر، فإذا عرَّفنا الطفل بواقع الحياة، وقدناه إلى انتصار الشر على الخير مقتدين بالواقع الحياتي، أصبناه بالارتباك لأنه غير قادر على تقييم الأمور والحكم عليها ومعرفة الحكم عليها ومعرف دوافعها وأسبابها ومحاكمتها منطقياً والانتهاء منها إلى انتصار الشر مؤقّت غير نهائي، وما إلى ذلك مما يعيه الكبير ويعرفه. ولهذا السبب كان النضال الإيجابي ضرورياً للقصة، وكانت قيادة القصة إلى التعبير عن شيء مثالي تجسيداً لهذا النضال الإيجابي، دون أي تناقض مع مبدأ نقل واقع الحياة إلى الطفل.
تضاف إلى الوضوح صفات أخرى، منها الجرأة وحب الخير والكرم والمغامرة، يتحلّى البطل بها لئلا يكون أحادي الجانب. فبطل قصة(قصير الذيل) لا يملك الصفات الجسدية التي تؤهّله للبطولة، فهو قزم، ولكن المؤلّف جعله على هذه الصورة ليطرح التباين بين أفعاله العظيمة وصفاته الجسدية التي لا تلفت الانتباه. إنه جريء، لا يترك أمراً قبل أن يفهمه، يتحلّى بالريث والأناة قبل الإقدام على أي عمل، ذكي، حنَّكته تجاريب الحياة، غيور، عطوف.....
ثم إن البطولة في قصص الأطفال غير مقصورة على الإنسان، فالحيوان يصلح للبطولة كما تصلح الجمادات لها. إلا أن طفل المرحلة المتأخّرة يميل إلى البطل الإنسان، لأن ارتباطه بالواقع بدأ يقوى ويشتدّ على الرغم من أنه مازال يقبل أن يتحدّث الحيوان ويفرح ويغضب، كما يقبل أن تؤدي حبة القمح ما يؤديه الإنسان في العادة. ذلك لأن الطفل لا يهتم بأنواع الأبطال بمقدار اهتمامه بأفعالهم وأعمالهم.
ومن ثَمَّ لا يعني البطلُ الإنسانُ لديه البطلَ الرجلَ فحسب، بل يعني أيضاً البطل الطفل ذكراً أو أنثى، والبطل العجوز، وإنْ كان الطفل الذكر يميل إلى الأبطال الذكور في هذه المرحلة، كما تميل الأنثى إلى البطلات، تبعاً لنمو الاهتمامات والفوارق بين الذكر والأنثى في هذه المرحلة العمرية.
أما طريقة القاص في رسم شخصية البطل فتكاد تكون مقصورة على الصورة الخارجية أو ما يُسمّى في المصطلح النقدي بالشخصية المسطّحة التي لا تنمو طوال الرواية. وسبب ذلك محافظة بطل قصص الأطفال طوال القصة على صفاته التي عرفها الطفل فيه منذ البداية، في حين تنمو الحوادث وتتبدّل وتؤول إلى نهايات معيَّنة. ومن ثَمَّ فقصة الطفل قصة(حوادث) وليست قصة(شخصية)، مما يدفعنا إلى الاهتمام بالصورة الخارجية للبطل والعزوف عن الطريقة الداخلية في رسمه(أي الطريق التمثيلية). وهذا الكلام لا يناقض الاهتمام بالبطل، ولا يؤثّر في ارتباط الطفل به، لأننا، في حقل قصص الأطفال، لا نعالج الشخصيات لنخرج منها بدلالات اجتماعية معيَّنة كما هي الحال في قصص الكبار، بل نطرح الشخصية لتتفاعل مع حوادث معيَّنة دون أن تُغيّرها الحوادث أو تدفعها إلى النمو. إن شخصية البطل في قصص الأطفال ثابتة الأفكار والعواطف والاتجاهات والمواقف، وما حولها متغيّر دائماً لا يعرف الثبات.
أما الشخصيات الثانوية في قصة الطفل فلا يوجِّه القاص إليها اهتماماً مماثلاُ لاهتمامه بالبطل، لأنها تؤدي عملاً ثم تنصرف من ساحة القصة، أو تبقى فيها ولكنها لا تتفاعل مع الحوادث تفاعلاً يجعلها تطفو على سطح القصة، وهي في المقابل ضرورية للقصة، لأنها تطرح الوجه الآخر للبطل، أو توضِّح بعض صفاته، أو تقدِّم له شيئاً من المساعدة، أو تكون نتيجة فوزه ونضاله. ومن البديهي أن تتجلّى باسم معيَّن وصفات خاصة وصورة خارجية واضحة.
ج- السرد والحوار:
لا تختلف قصة الطفل عن قصة الكبير في حاجتها إلى السرد الذي يلخِّص الحوادث بقدر قليل من الجمل، والحوار الذي يوضِّح طبيعة الشخصيات وأفكارها ويعين على نمو الحوادث. إلا أن السرد في قصة الطفل يلتزم في الغالب الطريقة المباشرة التي تجعل الكاتب يشرف على القصة من بدايتها إلى نهايتها دون أن يشعر القارئ الطفل به.
ومن المفيد ألا يبالغ القاص في السرد، فيملأ القصة به، لأن الأفعال التي يذكرها السرد تتسم بسمة الإخبار، في حين يطلب الطفل أفعالاً ملموسة تضج بالحركة.
وهناك طريقة أخرى في السرد يلجأ إليها بعض القاصين، هي طريقة السرد الذاتي التي يتحدّث البطل فيها عن نفسه، كما هي حال قصة(رائحة الوطن) لدلال حاتم. فقد تحدّثت عائدة عن نفسها مستخدمة ضمير المتكلّم على النحو الآتي:
(اسمي عائدة، أسكن مع أمي وأبي في بيت يطل على جبل عال تسكوه الأشجار).
على أن الخلاص الحقيقي من رتابة السرد يتم بوساطة الحوار الوظيفي، الواضح، القصير، الموحي. ولابدَّ في أية قصة تجمع بين السرد والحوار من متحاورين على أقل تقدير، لأن الحوار الداخلي يكاد يكون مرفوضاً في قصص الأطفال، لأنه يعبِّر عن حركة ذهنية، ويبتعد ابتعاداً واضحاً عن الحركة الخارجية الملموسة. ثم إن الحوار في قصص الأطفال وظيفي دائماً، يعبِّر عن معان توضّح أفكار المتحاورين وطبائعهم، وتدفع الحدث إلى النمو، وإلا فإنه حشو لا فائدة منه، يحسن بالقاص حذفه. أما اللغة المستعملة في السرد والحوار فيجب أن تتسم في قصص الخيال العلمي خاصة بالسمة العلمية، سواء أكان المراد هنا الألفاظ أم التراكيب أم المصطلحات. وهذه اللغة تكاد تتصف بالتشابه والتكرار من أجل ذلك(26)، وقد تتصف بالغرابة إنْ لم يكن القارئ يملك زاداً معرفياً منها، أو لم يكن المؤلِّف قادراً على توضيحها من خلال السياق(1).
وقد استفدت من كتاب "البلاغة والنقد" الذي عرض بشكل مصور عناصر الدراسة النقدية للقصة كما يلي :
المحتوى النقدي لمقاييس نقد القصة :
1- الفكرة .
2- الحوادث : وفيها : – أنواع الحوادث ( رئيسية / ثانوية ) .
- مصادر الحوادث ( الواقع / التاريخ / الخيال ).
- طريقة العرض(أسلوب ضمير المتكلم/أسلوب ضمير الغائب).
3- الشخصيات : وفيها: - أنواع الشخصيات ( رئيسية / ثانوية / نامية / ثابتة ) .
- طريقة تصوير الشخصيات ( طريقة الإخبار / طريقة الكشف ) .
4- الحبكة : وفيها : - أنواعها ( متماسكة / مفككة / متوازية / حلقات / البدء من
نقطة النهاية ) .
- عناصرها ( بداية , صراع ، عقدة , حل , نهاية ) .
5- الزمان : وفيه : - الزمان الواقعي .
- الزمان النفسي .
6- المكان : الميدان الذي تجري عليه أحداث القصة .
7- الحوار : و يهمنا فيه تحقيق لمسات الواقعية من خلال أسلوب العرض كتكرار الكلمة , أو ذكر صفة الصوت ...(2)
ملخص القصة :
تحكي القصة عن طفل ينتقل من مدرسته التي اعتاد عليها إلى مدرسة جديدة , وفيها يبحث عن أصدقاء يرضاهم لنفسه , فيلتقي بتلميذ اسمه مهران ما لبث أن علم سوء خلقه , فابتعد عنه . إلى أن يجد أحدهم وهو أسامة وتتوثق العلاقة بينهما , ينم حاسد بهما لبعضهما , بيد أنه لم يفلح في التفريق بينهما ولاقى موقفاً مخجلاً , ثم في نهاية القصة يسافر الصديق الحميم عن ذلك الطفل فيحزن عليه كثيراَ , ويثبت الكاتب أن الصداقة الطيبة لا تنقطع فيصور تواصلهما بالرسائل حتى بعد افتراقهما(3).
دراسة الشكل :
يستمد الشكل أهميته كونه من أوائل الأمور التي تجذب طفل ما لقراءة القصة , سواء شكلها الخارجي أو الداخلي . ولهذا ؛ كان من المهم الاهتمام بشكلية القصة , فنجد بعض المطبوعات بلغت من جودة شكليتها وكأنها تناديك رافعة صوتها أن تعال اقرأني , أما القصة التي بين يدي خلاصة شكلها أنه ليس بجذاب مطلقاً كما سأوضح فيما يلي :
- حجم الكتاب ملائماً للطفل حيث كان من القَطْع الصغير والذي يبلغ (20 ×10) سم2 .
- نوع الخط كان رديئاً أشبه بكتابة الآلة الكاتبة , ليس يخالطه جمال خط الكمبيوتر .
- حجم الخط أيضاً صغيراً , بخاصة أن الطفل قد يعاني هنا من طول البصر .
- لم يُضبط أي حرف فضلاٍ عن كلمة بالشكل .
- بسبب صغر الخط , كان هناك حشد – وإن كان طفيفاً – للكلمات في ذات الصفحة الواحدة.
- رسمت الرسوم بطريقة مشوشة ودونما ألوان جذابة إطلاقاً , علاوة على قلتها . ففي 25
صفحة لم تتواجد سوى أربعة رسوم فقط .
دراسة المضمون :
وفيه أذكر العناصر التالية :
1- الفكرة والقيمة :
فكرة القصة مأخوذة على ما أعتقد من واقع الطفل اليومي , ومن أمر له قيمة وأهمية في حياته ألا وهو الصداقة , فالطفل في طفولته شديد الحرص على أصدقاء يؤنسهم ويؤنسونه , ويبحث عن مثل هؤلاء . أما عنوان القصة فقد كان شديد الارتباط بموضوع القصة , وهذا يعد للقصة في مزاياها , كما أنه يجذب الطفل حينما يشاهد عنوان عن أمر من أمور حياته الهامة بالنسبة له .
وقد حوت القصة جملة من القيم التي توزعت في جنباتها , حيث قصد الكاتب توضيح معنى الصداقة الحقة , وبين أن ليس كل إنسان يصلح لأن يكون صديقاً , وحاول أن يزرع لدى الطفل عاقبة الحسد والنميمة الوخيمة , ثم استلهم قيمة الوفاء اللازمة للصداقة النبيلة , كذا صور الدقة في المواعيد من قواعدها , و استحسن الالتزام بقواعد النظام , و أبدى حسن احترام المهن اليدوية كعمل الفلاح , وأبدع في تصوير الوالد كمصدر التوجيه السليم والحريص على مصلحة ولده . وأراها موجهة لطفل بين السابعة والعاشرة من عمره .
2- الحوادث :
شملت القصة على حوادث منوعة بدت حين وصل الطفل إلى مدرسته الجديدة , ثم حين صادف الطالب السيئ مهران , ثم وصل الكاتب إلى الحدث الرئيسي بالقصة حين تعارف الطفل وأسامة الصديق الذي يمثل معن الصداقة الحقة , وبعد ذلك تناهت أحداث القصة إلى غسان الفتَّان الذي خاب في سوء نيته , وخُتمت القصة بذكر سفر أسامة والتواصل بينه وبين صديقه عبر الرسائل .
استلهم الكاتب أحداث قصته من الواقع , ومن واقع الطفل بالتحديد , لكون القصة موجهة للأطفال , وحسناً قد فعل .
اتبع الكاتب في عرض أحداث قصته وفي دفع الأحداث قدماً أسلوب ضمير المتكلم . حيث بدت القصة وكأنه يسردها الطفل الذي عاش القصة .
3- الشخصيات :
أجاد الكاتب في رسم صورة بطل القصة ليكون مركز اهتمام الطفل وليتسنى تربية الطفل من خلاله , وكان بطل إنساني , لكنه أخطأ بشدة في إهماله ذكر اسم البطل , حيث دارت مدار القصة بأكملها على اسمِ مجهول , وهذا يضعف إلى حد بعيد تعلق الطفل ببطل القصة , ويوهن تمسكه بقيمه .
ويلي البطل في الأهمية الطفل الصديق أسامة الذي عكس صورة البطل وكان سبباً في نجاحه في التحدي الذي واجهه البطل لإيجاد صديق , كما كان مفتاح الحل في حبكة القصة . ثم يليه الموجه والد البطل وينتهي بنا المطاف إلى شخصية القصة السلبية مهران .
واستخدم الكاتب في عرض شخصيات القصة طريقة الكشف , حيث ترك لمجرى أحداث القصة أن توضح ماهية كل شخصية , ولم يعطينا نبذة عن طبيعة الشخصية حين أول ذكرها وهذه إيجابية تزيد من تشويق الطفل لمتابعة القراءة .
4- الحبكة :
أجاد الكاتب في اختيار نمط الحبكة الفنية التي ترتبط بالترتيب الزمني والسببي الملائم للأطفال , وكانت حبكته على شكل حلقات , حيث يتمثل هذا النوع بأن البطل يواجه مشكلة ثم يلقى الحل , ثم يواجه مشكلة حتى يلقى الحل وهكذا ... و في نظري لمعالجة عناصر الحبكة , تخيرت المشكلة الأولى في القصة والتي تمثل القيمة الأهم المذكورة سابقاً لرسم عناصر الحبكة حولها , فكانت عناصر حبكة القصة كما يلي :
- البداية : فقد كانت البداية موفقة , حيث ترمي بالقارئ فوراً إلى موقف إشكالي , وهذا يشوق القارئ إلى متابعة القراءة ليرى حل هذا الموقف . حيث أن القصة لو بدأت بداية ضعيفة ؛ فإن هذا سيكون سبباً في انصراف القارئ عنها وترك قراءتها .
- الصراع : وهو عنصر مهم في الحبكة الجيدة , يولد الأحداث في القصة وينتج عنها أيضاً , وقد بدا الصراع في هذه القصة صراع داخلي لدى بطل القصة يسعى إلى الخروج منه , وهو عزلته .
- العقدة : نميز العقدة في حبكة القصة المتوازية بأنها الأحداث التي تسبق الحل - الآتي بيانه – مباشرة , حيث يتحول موقف البطل إلى حالة من الضعف أو الخوف , ونجد العقدة في قصة الأصدقاء حين تنشأ علاقة بين بطل القصة وبين التلميذ السيئ مهران , حيث ينجر معه قليلاً ثم يبدأ حل الحبكة بتعرفه على أسامة .
- الحل : بدا حل القصة واقعياً ومقنعاً حين تعرف البطل على تلميذ من فصله يقاربه في شخصيته .
- النهاية : أتت نهاية القصة ببداية صراع آخر مما يتيح التعبير لإكمالها في خيال الطفل بقصة أخرى , وهي ما يسمى بالنهاية المفتوحة . والتي في ظني من أفضل أنواع النهايات , حيث تأخذ القصة بعد الانتهاء من قراءتها وقتاً من تفكير التلميذ , مما يتيح المجال لتثبيت القيم لديه أكثر . كما أنها تنمي الخيال لدى الطفل والإنشاء وهذا منشود . لقد انتهت القصة بافتراق البطل عن صورته التي تجلت في أسامة .
5- الزمان :
خضع عنصر الزمان في القصة إلى الزمن الواقعي الذي تحكمه قوانين الزمن الصارمة , وتتسلسل الحوادث فيه تبعاً لوجودها الزمني من البداية إلى النهاية , وهو الأولى والأقرب إلى ذهن الطفل من الزمن النفسي , حيث أنه قد يصعب على الطفل إدراك الزمن النفسي .
6- المكان :
هو الميدان الذي تجري عليه أحداث القصة , ويتجلى المكان في قصة الأصدقاء بوحدته بين البيت والمدرسة , كما تخلل ذلك نزهة قصيرة بين البطل وصديقه أسامة . وللمكان في القصة أهمية بالغة ؛ حيث أنه يستخدم في كشف مشاعر الشخصية القصصية وأحاسيسها , فالمدرسة الجديدة توحي بالوحدة والغربة , كما أن وجود البطل مع صديقه على ضفاف نهر يوحي بالراحة النفسية ... وهكذا .
7- الحوار :
إن نمط القاص الحواري كان السرد الذاتي , حيث يتحدث البطل عن نفسه فيقول مثلاً "قضيت اليوم الأول في مدرستي الجديدة , كئيباً حزيناً ..."(4) , وأجاد في الدمج السلس بين السرد والحوار . وابتعد عن الحوار الذهني الذي لا يمثل أفعالاً ملموسة , وهذا هو الأفضل لقصص الأطفال , مع أنه سرد الحالة الوجدانية للبطل كقوله "وعندما غادروا البيت شعرت أنهم لم يغادروا قلبي , على الرغم من ابتعادهم ..."(5) .
وللحوار دور مهم في تنمية الأحداث القصصية , وكشف سمات الشخصية القصصية , فلم يكن لبطل القصة أن يتعرف على شخص مهران دون أن يحاوره .
إن لغة الحوار جاءت سهلة قريبة من ذهن التلميذ يمكنه فهمها , إلا أنه يفتقر إلى اللمسات الواقعية في أسلوب العرض , فمثلاً يمكننا إضافة واقعية على الحوار بتكرار كلمة كقوله "لقد حضر أمس راشد , راشد بن أحمد زميلك في المدرسة" فتخيل لو أن القاص استخدم هذا الأسلوب حين زار البطلَ أصدقاؤه بمدرسته القديمة فبلاً من أن يكون الأسلوب كما جاء بالقصة "ورن جرس البيت .. نهضت ففتحت الباب , وفوجئت برؤية أصدقاء الحي الشرقي الذي تركناه خالد وحسان وطارق , طار قلبي فرحاً , وعانقتهم واحداً واحداً"(6) , سيأتي الأسلوب وخاصة أنه كان في حالة حوار مع والده " ورن جرس البيت .. نهضت ففتحت الباب , وفوجئت برؤية أصدقاء الحي الشرقي الذي تركناه , فصحت فرَحاً : أبي إنهم أصدقائي , أجل خالد وحسان وطارق من الحي الشرقي . طار قلبي فرحاً , وعانقتهم واحداً واحداً ", إن هذا التغيير الطفيف أضفى على الحوار واقعية , كما أن هناك أمراً آخر له دور في تصوير الحوار بواقعية هو نقل نبرة صوت الشخصية , وهذا يتضح جلياً في ذات المثال السابق .
# الهوامش :
1- (أدب الأطفال وثقافتهم – سمر روحي الفيصل – دمشق : دن – 1998 , ص53-57) .
2- (البلاغة والنقد – محمد الصامل , عبدالله العريني , إبراهيم الجمعة –السعودية : وزارة التربية والتعليم – 1429هـ , ص123) .
(3+4+5+6) - ( الأصدقاء – عارف الخطيب – دمشق – دن - 1993) .
# المراجع والمصادر :
1- (أدب الأطفال وثقافتهم – سمر روحي الفيصل – دمشق : دن – 1998م) .
2- (البلاغة والنقد – محمد الصامل , عبدالله العريني , إبراهيم الجمعة –السعودية : وزارة التربية والتعليم – 1429هـ ) .
3- ( الأصدقاء – عارف الخطيب – دمشق – دن – 1993م) .