[x]

"وقـل اعمـلوا فسـيرى الله عـملكم ورسـوله والمؤمنـون"


<< المشـاركات الأخيرة : >>         همسات خاصة       آخر رد : بـلال*  ]        حلقات بحث .. للتحميل ..       آخر رد : Laloosh..  ]        اترك رسالة لشخص ... دون ذكر اسمه ...       آخر رد : ....{SalaM}....  ]        همسات على جدران الزمن .................. (عطر)       آخر رد : بـلال*  ]        ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن ...       آخر رد : ....{SalaM}....  ]        مين لسا هون؟؟؟       آخر رد : نيسان......  ]        أؤكد عليها - عضو جديد!؟؟؟؟... للتعامل مع هذا المنتدى وكيفية عمله.... شرح       آخر رد : عبد الحميد رميته  ]        اخواني ارجوكم محتاج هذة الكتب ضروري       آخر رد : ali66210  ]        مغتربون .. ولكن // ماذا تذكرت؟؟؟       آخر رد : *The Lord*  ]        الكلمة التاسعة سعيد الدين النورسي - رسائل النور بديع الزمان النورسي       آخر رد : *The Lord*  ]        مكتبتي في البيتون       آخر رد : Adnan Noufal  ]        رسالة في التشفير (1)       آخر رد : wrenly  ]        مشروع السكك       آخر رد : أبو أحمد........  ]        الخطة الدراسية لكلة الحقوق       آخر رد : الشهير  ]        ابحث عن كتاب       آخر رد : Ya Al  ]        ما هي الصلة بين سعر الدولار و سعر البترول؟       آخر رد : ابتسام راضي  ]        بدي مساعدة لو سمحتو       آخر رد : سالي سالي.  ]        مقياس عن التفكير الابداعي يمكن أن يطبق على طلاب المرحلة الثانوية بسهولة       آخر رد : alaa................  ]        هل تقبلون عودتي       آخر رد : حمدو  ]        كيف استخدم الفيس بوك       آخر رد : مكة محمد سري  ]    
...مركز رفع الصور والملفات...
النتائج الامتحانية لجامعة دمشق 2018-2017 - آخر تحديث 02-10-2019



..لمحة عن كليات جامعة دمشق و فروعها... شاركنا تجربتك وكلمنا عن اختصاصك



المحـاضـرات
برنـامج الـدوام
برنـامج الامتحــان
النتـائج الامتحـانيـة
أسـئلة دورات
أفكـار ومشــاريع
حلقــات بحـث
مشــاريع تخـرّج
"وقـل اعمـلوا فسـيرى الله عـملكم ورسـوله والمؤمنـون"

مشاريع وأعمال حالية.. وإعلانات
برنـامج امتحان الفصل الأول نهائي/قسم المكتبات - 2013/2014
غاز السارين Sarin gas ( الأعراض, العلاج والارشادات )
أحكام فقه الجهاد
تـعـلـيـمـات فـي حـال اسـتـخـدام الآسـلـحـة الـكـيـمـاويـة
الى طلاب كلية التربية ... بجامعة دمشق
ان كانت لديك اية مشكلة تقنية نحن بالخدمة ان شالله (( العدد الثالث 2012- 2013))
منح دراسية من الاتحاد الأوروبي للسوريين
شروط القيد في درجة الماجستير بكلية التربية
عريضة لعميد كلية الاقتصاد ليتم اعادة مواد يومي 27-28
سوريا بخير..



  ملتقى طلاب جامعة دمشق --> الـمـنـتــديـــات --> المنتديــات العــامــة --> بين الحكمة والحياة
    رسائل النور بديع الزمان النورسي
عنوان البريد :  
كلمة المرور :  
                    تسجيل جـديد


.رسائل النور بديع الزمان النورسي


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

رسائل النور بديع الزمان النورسي

04-03-2018 08:26 AM




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذا الموضوع سأنشر رسائل النور والكلمات تباعا لبديع الزمان سعيد النورسي
الرسائل ستكون في الردود تباعا...
نبذة قصيرة عن حياة بديع الزمان النورسي.......


ولد سعيد النورسي في قرية نورس الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام (1294هـ – 1877م) من أبوين صالحين كرديين كانا مضرب المثل في التقوى والورع والصلاح ونشأ في بيئة كردية يخيم عليها الجهل والفقر كأكثر بلاد المسلمين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وإلى قريته نورس ينسب. اسم والده ميرزا بن علي بن خضر بن ميرزا خالد بن ميرزا رشان من عشيرة أسباريت أما والدته فاسمها نورية بنت ملا طاهر من قرية بلكان وهي من عشيرة خاكيف والعشيرتان من عشائر قبائل الهكارية في تركيا.

لم تكن حياة سعيد النورسي إلا ملحمة من الوقائع والأحداث التي وضع جميعها في خدمة القرآن العظيم وتفسير نصوصه وبيان مرامي آياته البينات ضمن رؤية تبلورت مع الزمن ومع أطوار رحلة العمر، وكانت غايتها النهائية بث اليقظة وإعادة الحياة والفعل للأمة الإسلامية بعد طول رقاد. وما برح سعيد أن ألتحق بمجموعة من الكتاتيب والمرافق التعليمية المبثوثة في تلك النواحي من حول قريته نورس. وكان يستوعب كل ما يقدم له من علم، وسرعان ما أضحى لا يجد ما يستجيب لنهمه التحصيلي في المراكز التي يقصدها. ومن هنا كانت إقامته في تلك المراكز ظرفية إذ كان يتوق إلى الاستزادة المعرفية الحقة. وظل يرتحل من مركز إلى مركز ومن عالم إلى آخر حتى حفظ ما يقرب من تسعين كتابًا من أمهات الكتب.
وتهيأ بعد ذلك وبفضل المحصول العلمي الجم الذي اكتسبه في طفولته المبكرة تلك أن يجلس إلى المناظرة ومناقشة العلماء وأنعقدت له عدة مجالس تناظر فيها مع أبرز الشيوخ والعلماء في تلك المناطق وظهر عليهم جميعًا. وأنتشرت شهرته في الآفاق. وفي سنة 1314 هـ الموافق عام 1897م ذهب إلى مدينة وان، وأنكب فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات وعلم الفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها فسمي بـ بديع الزمان اعترافًا من أهل العلم بذكائه الحاد وعلمه الغزير وأطلاعه الواسع.

في سنة 1329 هـ الموافق 1911م سافر إلى دمشق والتقى برجالاتها وعلمائها وبسبب ما لمسوا فيه من علم ونجابة أستمعوا إليه في الجامع الأموي الشهير بدمشق وهو يخطب في الآلاف من المصلين خطبة حفظها لنا الزمن وأشتهرت في تراثه "بالخطبة الشامية ". ولقد كانت تلك الخطبة برنامجًا سياسيًا واجتماعيًا متكاملاً للأمة الإسلامية.
باندلاع الحرب العالمية الأولى كان طبيعيًا أن يهب بديع الزمان في طليعة المجاهدين فشكل فرقاً فدائية من طلابه واستمات معهم في الدفاع عن حمى الوطن في جبهة القفقاس وجرح في المعارك مع الروس وأسر في عام 1334 هـ واقتيد شبه ميت إلى " قوصتورما" من مناطق سيبيريا في روسيا حيث قضى سنتين وأربعة أشهر، هيأ له الله أثناء الثورة البلشفية الانفلات فعاد إلى بلاده في 19 رمضان 1336هـ الموافق 8 يوليو 1918م وأستقبل أستقبالاً رائعًا من قبل الخليفة وشيخ الإسلام والقائد العام وطلبة العلوم الشرعية ومنح وسام الحرب. وكلَفته الدولة بتسلم بعض الوظائف، رفضها جميعًا إلا ما عينته له القيادة العسكرية من عضوية في "دار الحكمة الإسلامية" التي كانت لا توجه إلا لكبار العلماء فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته باللغة العربية منها: تفسيره القيم "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" الذي ألفه في خضم المعارك و"المثنوي العربي النوري".

بعد دخول الغزاة إلى استانبول في 13 نوفمبر عام 1919م وفي هذه الفترة - أي منذ عام 1922م - وضعت قوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره في تركيا وإخماد جذوة الإيمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طيلة ستة قرون من الزمن. فأُلغيت السلطنة العثمانية في الأول من نوفمبر عام 1922م وأعقبه إلغاء الخلافة الإسلامية في 3 مارس عام 1924م.
نفي مع الكثيرين إلى بوردو ووصل إليها في شتاء عام 1926م. ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي بارلا جنوب غربي الأناضول. ويقول عن نفسه في هذه الفترة «صرفت كل همي ووقتي إلى تدبّر معاني القرآن الكريم. وبدأت أعيش حياة سعيد الجديد أخذتني الأقدار نفيًا من مدينة إلى أخرى وفي هذه الأثناء تولَّدت من صميم قلبي معاني جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم أمليتها على من حولي من الأشخاص تلك الرسائل التي أطلقت عليها رسائل النور.»
وهكذا أستمر النورسي على تأليف رسائل النور حتى عام 1950م، وهو ينقل من سجن إلى آخر ومن محكمة إلى أخرى وهكذا طوال ربع قرن من الزمن لم يتوقف خلاله من التأليف والتبليغ حتى أصبحت أكثر من 130 رسالة جمعت تحت عنوان كليات رسائل النور ولم يتيسر لها الطبع في المطابع إلا بعد عام 1954م. وكان النورسي يشرف بنفسه على الطبع حتى أكمل طبع الرسائل جميعها. وكانت تدور مواضيعها حول تفسير آيات القرآن بأسلوب علمي عصري


*************
العلم نور
صدقة جارية لي ولروح أبي.. وامي واخواني ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات الاحياء والاموات
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك
سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم








ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 2


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة الأولى بديع الزمان النورسي

04-03-2018 08:37 AM




بسم االله الرحمن الرحيم

وبه نستعين
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين .

الكلمة الأولى

"بسم االله" رأس كل خير وبدء كل أمر ذي بال، فنحن أيضاً نستهلها .
فيا نفسي اعلمي إن! هذه الكلمة الطيبة المباركة كما أنها شعار الإ سلام، فهي ذكـر
جميع الموجودات بألسنة أحوالها .
فان كنت راغبة في إدراك مدى ما في "بسم االله " من قوة هائلة لا تنفد، ومدى ما فيها
من بركة واسعة لا تنضب، فاستمعي إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة :
إن البدوي الذي يتنقل في الصحراء ويسيح فيها لابد له أن ينتمي إلى رئـيس قبيلـة،
ويدخل تحت حمايته، كي ينجو من شر الأشقياء، وينجز أشغاله ويتـدارك حاجاتـه، وإلاّ
فسيبقى وحده حائراً مضطرباً أمام كثرة من الأعداء، ولا حد لها من الحاجات .
وهكذا.. فقد توافق أن قام اثنان بمثل هذه السياحة؛ كان أحدهما متواضعاً، والآخـر
مغروراً، فالمتواضع انتسب إلى رئيس، بينما المغرور رفض الانتسـاب . فتجـولا في هـذه
الصحراء.. فما كان المنتسب يحل في خيمة إلا ويقابل بالاحترام والتقدير بفضل ذلك الاسم
وإن لقيه قاطع طريق يقول له ": إنني أتجول باسم ذلك الرئيس ".. فيتخلى عنه الشقي . أمـا المغرور فقد لاقى من المصائب والوي لات ما لا يكاد يوصف، إذ كان طوال السفرة في خوف
دائم ووجل مستمر، وفي تسول مستديم، فأذلّ نفسه وأهانها .
فيا نفسي المغرورة ! اعلمي!.. انك أنت ذلك السائح البدوي . وهذه الدنيا الواسعة هي
تلك الصحراء. وان "فقرك" " و عجزك" لا حد لهما، كما أن أعداءك وحاجاتك لا نهاية لهما.
فما دام الأمر هكذا؛ فتقلدي اسم المالك الحقيقي لهذه الصحراء وحاكمها الأبدي، لتنجـي
من ذُلّ التسول أمام الكائنات، ومهانة الخوف أمام الحادثات .
نعم إن! هذه الكلمة الطيبة "بسم االله " ك نـز عظيم لا يفنى أبداً، إذ بها يرتبط "فقرك "
برحمة واسعة مطلقة أوسع من ال كائنات، ويتعلق "عجزك" بقدرة عظيمة مطلقة تمسك زمـام
الوجود من الذرات إلى المجرات، حتى انه يصبح كل من عجزك وفقرك شفيعين مقبولين لدى
القدير الرحيم ذي الجلال .
إن الذي يتحرك ويسكن ويصبح ويمسي هذه الكلمة "بسـم االله " كمـن انخـرط في
الجندية؛ يتصرف باسم الدولة ولا يخا ف أحداً، حيث إنه يتكلم باسم القانون وباسم الدولة،
فينجز الأعمال ويثبت أمام كل ش .يء
وقد ذكرنا في البداية إن: جميع الموجودات تذكر بلسان حالها اسم االله، أي أنها تقول :
"بسم االله".. أهو كذلك؟
نعم! فكما لو رأيت أن أحداً يسوق الناس إلى صعيد واحد، ويرغمهم علـى القيـ ام
بأعمال مختلفة، فانك تتيقن أن هذا الشخص لا يمثل نفسه ولا يسوق الناس باسمه وبقوتـه،
وإنما هو جندي يتصرف باسم الدولة، ويستند إلى قوة سلطان .
فالموجودات أيضاً تؤدي وظائفها باسم االله؛ فالبذيرات المتناهية في الصغر تحمل فـوق
رؤوسها باسم االله أشجاراً ضخمة و أثقالاً هائلة . أي إن كل شجرة تقول ": بسم االله " وتملأ
أيديها بثمرات من خزينة الرحمة الإلهية وتقدمها إلينا.. وكل بستان يقول ": بسم االله " فيغدو
مطبخاً للقدرة الإلهية تنضج فيه أنواع من الأطعمة اللذيذة .. وكل حيوان من الحيوانات ذات
البركة والنفع ـ كالإبل والمعزى والبقر - يقول
": بسم االله" فيصبح ينبوعـاً دفاقـاً للّـبن السائغ، فيقدم إلينا باسم الرزاق ألطف مغذّ وأنظفه.. وجذور كل نبات وعشب تقول
"بسم االله وتشق الصخور الصلدة باسم االله وتثقبها بشعيراتها الحريرية الرقيقة فيسخر أمامها باسم الله وباسم الرحمن كل أمر صعب وكل شئ صلد !.
نعم، إن انتشار الأغصان في الهواء وحملها للأثمار، وتشعب الجذور في الصخور الصماء،
وخزنها للغذاء في ظلمات التراب .. وكذا تحمل الأوراق الخضراء شدة الحـرارة ولفحاتهـا،
وبقاءها طرية ندية .. كل ذلك وغيره صفعة قوية على أفواه الماديين عبدة الأسباب، وصرخة
مدوية في وجوههم، تقول لهم إن: ما تتباهون به من صـلابة وحـرارة أيضـاً لا تعمـلان
بنفسيهما، بل تـؤديان وظائفـهما بأمر آمر واحد، بحيث يجعل تلك العروق الدقيقة الرقيقة
-كأنها عصا موسى تشق الصخـور وتمتثـل أمر ( فَقُلنـا اضــرب بعصـاك الحَجـر )
(البقرة:60 (ويجعل تلك الأوراق ال طرية الندية كأنها أعضاء إبراهيم عليه السلام تقرأ تجـاه
لفحة الحرارة: (يا نار كوني برداً وسلاماً....)(الأنبياء: )69
فما دام كل شيء في الوجود يقول معنى " بسم االله " ويجلب نِعم االله باسم االله ويقدمها إلينا، فعلينا أن نقول أيضاً "بسم االله " ونعطي باسم االله ونأ خذ باسم االله . وعلينا أيضاً أن نرد أيدي الغافلين الذين لم يعطوا باسم االله .
سؤال: إننا نبدي احتراماً وتوقيراً لمن يكون سبباً لنعمة علينا، فيا ترى ماذا يطلب منـا
ربنا االله صاحب تلك النعم كلها ومالكها الحقيقي؟
الجواب إن: ذلك المنعم الحقيقي يطلب منا ثلاثة رأمو ثمناً لتلك النعم الغالية :
الأول: الذكر.. الثاني: الشكر.. الثالث: الفكر ..
فـ "بسم االله " بدءاً هي ذكر ،و "الحمد الله " ختاماً هي شكر وما يتوسـطهما هـو
"فكر" أي التأمل في هذه النعم البديعة، والإدراك بأنها معجزة قدرة الأحد الصـمد وهـدايا
رحمته الواسعة... فهذا التأمل هو الفكر .
ولكن أليس الذي يقبل أقدام الجندي الخادم الذي يقدم هدية السلطان يرتكب حماقـة
فظيعة وبلاهة مشينة؟ إذن فما بال من يثني على الأسباب المادية الجالبة للـنعم، ويخصصـها
بالحب والود، دون المنعم الحقيقي! ألا يكون مقترفاً بلاهة أشد منها ألف مرة؟
فيا نفس!! إن كنت تأبين أن تكوني مثل الأحمق الأبله،
فاعطي باسم االله ..
وخذي باسم االله ..
وابدأي باسم االله ..
واعملي باسم االله ..
1 والسـلام.





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 3


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة الثانية بديع الزمان سعيد النورسي

04-03-2018 11:04 PM




الكلمة الثانية
بسم االله الرحمن الرحيم
(الذين يؤمنون بالغيب )
إن كنت تريد أن تعرف مدى ما في الإيمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لـذة
وراحة، فاستمع إلى هذه الحكاية القصيرة :
خرج رجلان في سياحة ذات يوم، من أجل الاستجمام والتجارة. فمضى أحدهما وكان
أنانياً شقياً إلى جهة، ومضى الآخر وهو رباني سعيد إلى جهة ثانية .
فالأناني المغرور الذي كان متشائماً لقي بلداً في غاية السوء والشؤم في نظره، جـزاءاً
وفاقاً على تشاؤمه، حتى انه كان يرى - أينما اتجه - عجزةً مساكين يصرخون ويولولون من
ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمرة . فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل
ما يزوره من أماكن، حتى اتخذت المملكة كلها في نظره شكل دار مأتم عام . فلم يجد لنفسه
علاجاً لحاله المؤلم المظلم غير السكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعر بحاله، إذ صار كـل
واحد من أهل هذه المملكة يتراءى له عدواً يتربص به، و أجنبياً يتنكر له، فظـل في عـذاب
وجداني مؤلم لما يرى فيما حوله من جنائز مرعبة ويتامى يبكون بكاءاً يائساً مريراً .
أما الآخر الرجل الرباني العابد الله، والباحث عن الحق، فقد كان ذا أخلاق حسنة بحيث
لقي في رحلته مملكة طيبة هي في نظره في منتهى الروعة والجمال .
فهذا الرجل الصالح يرى في المملكة التي دخلها احتفالات رائعة ومهرجانـات بارعـة
قائمة على قدم وساق . وفي كل طرف سـر وراً، وفي كل زاويـة حبـوراً، وفي كل مكان
محاريب ذكر . حتى لقد صار يرى كل فرد من أفراد هذه المملكة صديقاً صدوقاً وقريباً حبيباً
. له ثم يرى أن المملكة كلها تعلن - في حفل التسريح العام - هتافات الفرح بصيحة مصحوبة
بكلمات الشكر والثناء . ويسمع فيهم أيضاً أصوات الجوقة الموسيقية وهـي تقـدم ألحانها الحماسية مقترنة بالتكبيرات العالية والتهليلات الحارة بسعادة واعتزاز للـذين يسـاقون إلى
الخدمة والجندية .
فبينما كان ذلك الرجل الأول المتشائم منشغلاً بألمه وآلام الناس كلهم .. كان الثـاني
السعيد المتفائل مسروراً مع سرور الناس كلهم فرحاً مع فرحهم . فضلاً عن انه غنم لنفسـه
تجارة حسنة مباركة فشكر ربه وحمده .
ولدى عودته إلى أهله، يلقى ذلك الرجل فيسأل عنه، وعن أخباره، فيعلم كل شئ عن
حاله فيقول له :
" - يا هذا لقد جننت! فان ما في باطنك من الشؤم انعكس على ظاهرك بحيث أصبحت
تتوهم أن كل ابتسامة صراخ ودموع، وأن كل تسريح و إجازة  وسلب . عد إلى رشدك،
وطهر قلبك .. لعل هذا الغشاء النكد ي نـزاح عن عينيك . وعسى أن تبصر الحقيقـة علـى
وجهها الأبلج . فأن صاحب هذه المملكة ومالكها وهو في منتهى درجات العـدل والمرحمـة
والربوبية والاقتدار والتنظيم المبدع والرفق .. وان مملكة بمثل هذه الدرجة من الرقي والسمو مما
تريك من آثار بأم عينيك... لا يمكن أن تكون بمثل ما تريه أوهامك من صور ."
وبعد ذلك بدأ هذا الشقي يراجع نفسه ويرجع إلى صوابه رويداً رويداً، ويفكر بعقلـه
ويقول متندماً :
- نعم لقد أصابني جنون لكثرة تعاطي الخمر .. ليرضى االله عنك؛ فلقد أنقـذتني مـن
جحيم الشقاء .
فيا نفسي
اعلمي أن الرجل الأول هو "الكافر" أو "الفاسق الغافل " فهذه الدنيا في نظره بمثابة مأتم
عام، وجميع الأحياء أيتام يبكون تألماً من ض-ربات الزوال وصفعات الفراق ..
أما الإنسان والحيوان فمخلوقات سائبة بلا راع ولا مالك، تتمزق بمخالـب الأجـل
وتعتصر بمعصرته ..
وأما الموجودات الـضخام - كالجبال والبحار - فهي في حكـم الجنـائز الهامـدة
والنعوش الرهيبة ..
أومثال هذه الأوهام المدهشة المؤلمة الناشئة من كفر الإنسان وضلالته تذيق صـاحبها
عذاباً معنوياً مريراً .
أما الرجل الثاني، فهو "المؤمن" الذي يعرف خالقه حق المعرفة ويؤمن بـه، فالـدنيا في
نظره دار ذكر رحماني، وساحة تعليم وتدريب البشر والحيوان، وميدان ابتلاء واختبار الإنس
والجان ..
أما الوفيات كافة - من حيوان وإنسان - فهي إعفاء مـن الوظـائف، وإنهـاء مـن
الخدمات، فالذين أدوا وظائف حياتهم، يودعون هذه الدار الفانية وهم مسرورون معنويـاً،
حيث انهم ينقلون إلى عالم آخر غير ذي قلق، خال من أوضار المادة و أوصاب الزمان والمكان
وصروف الدهر وطوارق الحدثان، لينفسح المجال واسعاً لموظفين جـدد يـأتون للسـعي في
مهامهم ..
أما المواليد كافة - من حيوان وإنسان - فهي سوقة تجنيد عسكرية، وتسلُّم سـلاح،
وتسنم وظائف وواجبات، فكل كائن إنما هو موظف وجندي مسرور، ومأمور مستقيم راضٍ
قانع.. .
وأما الأصوات المنبعثة والأصداء المرتدة من أرجاء الدنيا فهي إما ذكر وتسبيح لتسـنم
الوظائف والشروع فيها، أو شكر والتهليل إيذاناً بالانتهاء م نها، أو أنغام صادرة مـن شـوق
العمل وفرحته ..
فالموجودات كلها - في نظر هذا المؤمن - خدام مؤنسون، وموظفون أخلاّء، وكتـب
حلوة لسيده الكريم ومالكه الرحيم .. وهكذا يتجلى من إيمانه كثير جداً مـن أمثـال هـذه
الحقائق التي هي في غاية اللطف والسمو واللذة والذوق .
فالإيمان إذن يضم حقاً بذرة معنوية منشقة من "طوبى الجنة .."
أما الكفر فانه يخفي بذرة معنوية قد نفثته "زقوم جهنم ."
فالسلامة والأمان إذن لا وجود لهما إلاّ في الإسلام والإيمان .
فعلينا أن نردد دائماً :
الحمد الله على دين الإسلام وكمال الإيمان





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 4


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة الثالثة بديع الزمان سعيد النورسي

07-03-2018 06:06 AM




الكلمة الثالثة
بسم االله الرحمن الرحيم
(يا أيها الناس اعبدوا..) (البقرة: )21
إن كنت تريد أن تفهم كيف أن العبادة تجارة عظمى وسعادة كـبرى، وان الفسـق
والسفه خسارة جسيمة وهلاك محقق، فانظر إلى هـذه الحكاية التـمثيليـة وأنصت إليها :
تسلَّم جنديان اثنان - ذات يوم - أمراً بالذهاب إلى مدينة بعيدة، فسافرا معـاً، إلى أن
وصلا مفرق طريقين، فوجدا هناك رجلاً يقول لهما :
إن - هذا الطريق الأيمن، مع عدم وجود الـضرر فيه، يجد المسافرون الذين يسـلكونه
الراحة والاطمئنان والربح مضموناً بنسبة تسعة من عشرة . أما الطريق الأيسر، فمع كونـه
عديم النفع يتضرر تسعة من ع شرة من عابريه . علماً أن كليهما في الطول سواء، مـع فـرق
واحد فقط، هو أن المسافر المتجه نحو الطريق الأيسر - غير المرتبط بنظامٍ وحكومة - يمضـي
بلا حقيبة متاع ولا سلاح، فيجد في نفسه خفَّة ظاهرة وراحة موهومة . غير أن المسافر المتجه
نحو الطريق الأيمن - المنتظم تحت ش رف الجندية - مضـطر لحمـل حقيبـة كاملـة مـن
مستخلصات غذائية تزن أربع "أوقيات" وسلاحاً حكومياً يزن "أوقيتين" يستطيع أن يغلب به
كل عدو وبعد سماع هذين الجنديين كلام ذلك الرجل الدليل، سلك المحظوظ السعيد الطريـق
الأيمن، ومضى في دربه حاملاً على ظهره وكتفه رطلاً من الأثقال أن إلا قلبه وروحـه قـد
تخلّصا من آلاف الأرطال من ثقل المنة والخوف .
بينما الرجل الشقي المنكود الذي آثر ترك الجندية ولم يرد الانتظام والالتـزام، سـلك
سبـيـل الـشمال، فمـع أن جسـمه قد تخلص من ثقـل رطل فـقد ظل قلبه يرزح
تحت آلاف الأرطال من المن والأذى، و انسحقت روحه تحت مخاوف لا يحصـرها الحـد .
فمضى في سبيله مستجدياً كل شخص، وجلاً مرتعشاً من كل شئ، خائفاً من كل حادثـة،
إلى أن بلغ المحل المقصود فلاقى هناك جزاء فراره وعصيانه .
أما المسافر المتوجه نحو الطريق الأيمن - ذلك المحب لنظام الجندية والمحافظ على حقيبتـه
وسلا -حه فقد سار منطلقاً مرتاح القلب مطمئن الوجدان من دون أن يلتفت إلى منة أحد أو
يطمع فيها أو يخاف من أحد .. إلى أن بلغ المدينة المقصودة وهنالك وجد ثوابه اللائق به كأي
جندي شريف أنجز مهمته بالحسنى .
فيا أيتها النفس السادرة السارحة !
اعلمي أن ذينك المسافرين؛ أحدهما أولئك المستسلمون المطيعون للقـانون الإلهـي،
والآخر هم العصاة المتبعون للأهواء ..
وأما ذلك الطريق فهو طريق الحياة الذي يأتي من عالم الأرواح ويمر من القبر المـؤدي
إلى عالم الآخرة ..
وأما تلك الحقيبة والسلاح فهما العبادة والتقوى، فمهما يكن للعبادة من حمل ثقيـل
ظاهراً إلا أن لها في معناها راحة وخفة عظيمتين لا توصفان، ذلـك لان العابـد يقـول في
صلاته:لا إله إلا االله أي لا خالق ولا رازق إلاّ هو، النفع والـضر بيده، وانه حكيم لا يعمل
عبثاً كما أنه رحيم واسع الرحمة والإحسان .
فالمؤمن يعتقد بما يقول لذا يجد في كل شئ باباً ينفتح إلى خزائن الرحمة الإلهية، فيطرقه
بالدعاء، ويرى أن كل شئ مسخر لأمر ربه، فيلتجئ إليه بالتضرع. ويتحصن أمام كل مصيبة
مستنداً إلى التوكل، فيمنحه إيمانه هذا الأمان التام والاطمئنان الكامل
نعم! أن منبع الشجاعة ككل الحسنات الحقيقية هو الإيمان والعبودية، وأن منبع الجبن
ككل السيئات هو الـضلالة والسفاهة .
فلو أصبحت الكرة الأرضية قنبلة مدمِّرة وانفجرت، فلربما لا تخيف عابداً الله ذا قلـب
منور، بل قد ينظر إليها أنها خارقة من خوارق القدرة الصمدانية، ويتملاها بإعجاب ومتعة،
بينما الفاسق ذو القلب الميت ول و كان فيلسوفاً - ممن يعده ذا عقـل راجـح - إذا رأى في
الفضاء نجماً مذنباً يعتوره الخوف ويرتع -ش هلعاً ويتسـاءل بقلق : ألا يمكن لهذا الـنجم أن
يرتطم بأرضنا؟ فيتردى في وادي الأوهام (لقد ارتعد الأمريكان يوماً من نجم مذنب ظهـر في
السماء حتى هجر الكثيرون مساكنهم أثناء ساعات الليل ).
نعم! رغم أن حاجات الإنسان تمتد إلى ما لا نهاية له من الأشياء، فرأس ماله في حكم
المعدوم. ورغم أنه معرض إلى ما لا نهاية له من الم صائب فاقتداره كذلك في حكم لا ش ،يء إذ
إن مدى دائرتي رأس ماله واقتداره بقدر ما تصل إليه يده، بينما دوائر آماله ور غائبه وآلامـه
وبلاياه واسعة سعة مد البصر والخيال .
فما أحوج روح البشر العاجزة الـضعيفة الفقيرة إلى حقائق العبـادة والتوكـل، والى
التوحيد والاستسلام ! وما أعظم ما ينال منها من ربح وسعادة ونعمة ! فمن لم يفقد بصـره
كلياً يرى ذلك ويدركه . إذ من المعلوم أن الطريق غير الـضار يرجح على الطريق الــضار
حتى لو كان النفع فيه احتمالاً واحداً من عشرة احتمالات . علماً أن مسألتنا هذه، طريـق
العبادة، فمع كونه عديم الـضرر، واحتمال نفعه تسعة من عشرة، فانـه يعطينـا ك نــز اً
للسعادة الأبدية، بينما طريق الفسق والسفاهة - باعتراف الفاسق نفس -ه فمع كونه عـديم
النفع فانه سبب الشقاء والهلاك الأبديين، مع يقين للخسران وانعدام الخير بنسبة تسعة مـن
عشرة... وهذا الأمر ثابت بشهادة ما لا يحصى من (أهل الاختصاص والإثبـات ) بدرجـة
التواتر والإجماع. وهو يقين جازم في ضوء أخبار أهل الذوق والكشف .
نحصل من هذا :
أن سعادة الدنيا أيضاً - كالآخرة - هي في العبادة وفي الجندية الخالصة الله .
فعلينا إذن أن نردد دائماً
الحمد الله على الطاعة والتوفيق ..
وأن نشكره سبحانه وتعالى على أننا مسلمون





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 5


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة الرابعة بديع الزمان النورسي

10-03-2018 04:55 PM




الكلمة الرابعة
بِسمِ االله الرحمنِ الرحيمِ
"الصلاة عماد الدين "
إن كنت تري أن تعرف أهمية الصلاة وقيمتها، وكم هو يسير نيلها وزهيد كسبها، وان
من لا يقيمها ولا يؤدي حقها أبله خاسر .. نعم إن كنت تريد أن تعرف ذلك كله بـيقين
تام - كحاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعاً - فتأمل في هـذه الحكايـةالتمثيليـة القصيرة :
يرسل حاكم عـظيم - ذا ت يوم - إثنين من خدمه إلى مزرعته الجميلة، بعد أن يمنح
كلاً منهما أربعاً وعشرين ليرة ذهبية، ليتمكنا  من الوصول إلى المزرعة التي هي على بعـد شهرين.. ويأمرهما: أنفقا من هذا المبلغ لمصاريف التذاكر ومتطلبات السـفر، واقتنيـا مـا يلزمكما هناك من لوزام السكن والإقامة.. هناك محطة للمسافرين على بعد يوم واحد، توجد فيها جميع أنواع وسائط النقل من سيارة وطائرة وسفينة وقطار.. ولكلٍ ثمنه .
يخرج الخادمان بعد تسلمهما الأوامر .. كان أحدهما سعيداً محظوظاً، إذ صرف شـيئاً
يسيراً مما لديه لحين وصوله المحطة، صرفه في تجارة رابحة ي رضى بها سيده، فارتفع رأس ماله من الواحد إلى الألف .
أما الخادم الآخر، فلسوء حظـه وسفاهته صرف ثلاثـاً وعشرين مما عــنده مـن
الليـرات الذهبية في اللّهو والقمار، فأضاعها كلها إلا ليرة واحدة منها لحين بلوغه المحطة ..
خاطبه صاحبه ::
يا هذا .. اشتر هذه الليرة الباقية لديك تذكرة سفر، فلا تضيعها كذلك، فسـيدنا
كريم رحيم  ،لعلّه يشملك برحمته وينالك عفوه عما بدر منك من تقصير، فيسـمحوا لـك
بركوب الطائرة، ونبلغ معاً محل إقامتنا في يوم واحد . فان لم تفعل ما أقوله لك فستضطر إلى مواصلة السير شهرين كاملين في هذه المفازة مشياً على الأقدام، والجوع يفتك بك، والغربـة تخيم عليك وأنت وحيد شارد في هذه السفرة الطويلة .
ترى لو عاند هذا الشخص، فصرف حتى تلك الليرة الباقية في سبيل شـهوة عـابرة،
وقضاء لذة زائلة، بدلاً من اقتناء تذكرة سفر هي بمثابة مفتاح ك نـز . له ألا يعني ذلك أنـه شقي خاسر، وأبله بليد حقاً.. ألا يدرك هذا أغبى إنسان ؟
فيا من لا يؤدي الصلاة! ويا نفسي المتضايقة منها !
إن ذلك الحاكم هو ربنا وخالقنا جلّ وعلا ..
أما ذلكما الخادمان المسافران، فأحدهما هو المتدين الذي يقيم الصلاة بشوق ويؤديهـا حق الأداء، والآخر هو الغافل التارك للصلاة ..
وأما تلك الليرات الذهبية "الأربعة والعشرون " فهي الأربع والعشرون ساعة من كـل
يوم من أيام العمر ..
وأما ذلك البستان الخاص فهو الجنة ..
وأما تلك المحطة فهي القبر ..
وأما تلك السياحة والسفر الطويل فهي رحلة البشر السائرة نحو القبر والماضية إلى الحشر
والمنطلقة إلى دار الخلود . فالسالكون لهذا الطريق الطويل يقطعونه على درجات متفاوتة، كلٌ
حسب عمله ومدى تقواه، فقسم من المتقين يقطعون في يوم واحد مسافة ألف سنة كـأنما البرق، وقسم منهم يقطعون في يوم واحد مسافة خمسين ألف سنة كأنما الخيال . وقد أشـار
القرآن العظيم إلى هذه الحقيقة في آيتين كريمتين ..
أما تلك التذكرة فهي الصلاة التي لا تستغرق خمس صلوات مع وضوئها اكثـر مـن ساعة.
فيا خسارة من يصرف ثلاثاً وعشرين من ساعاته على هذه الحياة الدنيا القصـيرة ولا
يصرف ساعةً واحدة على تلك الحياة الأبدية المديدة !. ويا له من ظالم لنفسه مبين ! ويا له من
أحمق ابله !
لئن كان دفع نصف ما يملكه المرء ثمناً لقمار اليانصيب - الذي يشترك فيه أكثر مـن
ألف شخص - يعد أمراً معقولاً، مع أن احتمال الفوز واحد من ألف، فكيف بالذي يحجـم
عن بذل واحدٍ من أربعة وعشرين مما يملكه، في سبيل ربح مضمون، ولأجل نيل خزينة أبدية،
باحتمال تسع وتسعين من مائة .. ألا يعد هذا العمل خلافاً للعقل، ومجانبـاً للحكمـة .. ألا
يدرك ذلك كلُّ من يعد نفسه عاقلاً؟
إن الصلاة بذاتها راحة كبرى للروح والقلب والعقل معاً . فضلاً عن انها ليست عمـلاً
مرهقاً للجسم . وفوق ذلك فان سائر أعمال المصلي الدنيوية الم باحة ستكون له بمثابة عبـادة
الله، وذلك بالنية الصالحة .. فيستطيع إذن أن يحول المصلي جميع رأس مال عمره إلى الآخـرة،
فيكسب عمراً خالداً بعمره الفاني .

*************
سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك واتوب اليك
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 6


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة الخامسة بديع الزمان النورسي

30-03-2018 10:36 PM




الكلمة الخامسة
بسم االله الرحمن الرحيم
(إنَّ االله مع الذين اتقوا والذين هم محسِنون) (النحل:128(
إذا اردت أن ترى أن إقامة الصلاة واجتناب الكبائر وظيفة حقيقية تليـق بالإنسـان
ونتيجة فطرية ملائمة مع خلقته.. فتأمل في هذه الحكاية التمثيلية القصيرة واستمع إليها :
كان في الحرب العالمية، وفي أحد الأفواج، جنديان اثنان : أحدهما مدرب على مهمتـه
مجد في واجبه . والآخر جا هل بوظيفته متبع هواه . كان المتقن واجبه يهتم الاهتمام كله بأوامر
التدريب وشؤون الجهاد . ولم يكن ليفكر قط بلوازم معاشه وأرزاقه، حيث انه أدرك يقيناً أن إعاشته ورعاية شؤونه وتزويده بالعتاد بل حتى مداواته إذا تمرض بل حتى وضع اللقمة - إذا
احتاج الأمر - في فمه، إنما هو من واجب الدولة أو. ما واجبه الأساس فهو التدرب على أمور الجهاد ليس إلاّ، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين، وحتى في هذه الأثناء لو سئل : ماذا تفعل؟ لقال : إنما أقوم بـبعض
واجبات الدولة تطوعاً، ولا يجيب: إنني أسعى لأجل كسب لوازم العيش .
أما الجندي الآخر، الجاهل بواجباته فلم يكن ليبالي بالتدريب ولا يهتم بالحرب . فكان
يقول: ذلك من واجب الدولة، وما لي أنا؟ ! فيشغل نفسه بـأمور معيشـته ويلـهث وراء
الاستزادة منها حتى كان يدع الفوج ليزاول البيع والشراء في الأس .واق
قال له صديقه  ذات يوم :
- يا أخي!! إن مهمتك الأصلية هي التدرب والاستعداد للحرب، وقد جئ بك إلى هنا
من أجل ذلك؛ فاعتمد على السلطان واطمئن إليه في أمر معاشك، فلن يدعك جائعاً، فذلك  واجبه ووظيفته . ثم إنك عاجز وفقير لن تستطيع أن تدير أمور معيشتك بنفسك، وفوق هذا
فنحن في زمن جهاد وفي ساحة حرب عالمية كبرى، أخشى أم يعدونك عاصياً لأوامـرهم
فينـزلون بك عقوبة صارمة .
نعم؛ إن وظيفتين اثنتين تبدوان أمامنا :
إحداهما: وظيفة السلطان، وهي قيامه بإعاشتنا. ونحن قد نستخدم مجاناً في إنجاز تلـك الوظيفة .
واُخراهما: هي وظيفتنا نحن، وهي : التدريب والاستعداد للحرب، والسلطان يقدم لنـا
مساعدات وتسهيلات لازمة .
فيا أخي تأمل لو لم يعِر الجندي المهمِل سمعاً لكلام ذلك  المدرب كـم يكـون
خاسراً ومتعرضاً للأخطار والتهلكة؟ !
فيا نفسي الكسول !!
إن تلك الساحة التي تمور موراً با لحرب هي هذه الحياة الدنيا المائجة .. وأما ذلك الجيش المقسم إلى الأفواج فهو الأجيال البشرية .. وأما ذلك الفوج نفسه فهو اتمع المسلم المعاصر ..
وأما الجنديان الاثنان؛ فأحدهما هو العارف باالله والعامل بالفرائض واجتنب الكبائر، وهو ذلك المسلم التقي الذي يجاه د نفسه والشيطان خشية الوقوع في الخطايا والذنوب .. وأما الآخـر :
فهو الفاسق الخاسر الذي يلهث وراء هموم العيش لحد اهام الرزاق الحقيقي، ولا يبالي في سبيل الحصول على لقمة العيش أن تفوته الفرائض وتتعرض له المعاصي .. وأما تلـك التـدريبات
والتعليمات، فهي العبادة وفي مقدمتها الصلاة .. وأما تلك الحرب فهي مجاهدة الإنسان نفسه
وهواه، واجتنابه الخطايا ودنايا الأخلاق، ومقاومته شياطين الجن والأنس، إنقاذاً لقلبه وروحه
معاً من الهلاك الأبدي والخسران المبين .
وأما تانك الوظيفتان الاثنتان؛ فإحداهما منح الحياة ورعايتها . والأخرى عبادة واهـب
الحياة ومربيها والسؤال منه والتوكل عليه والاطمئنان .إليه
أجل إن! الذي وهب الحياة؛ وأنشأها صنعةً صمدانية معجزة تتلمع، وجعلها حكمـةً
ربانية خارقة تتألق، هو الذي يربيـها، وهو وحـده الـذي يرعاها ويديمـها بالرزق .
أو تريد الدليل؟ !
إن أضعف حيوان وأبلده ليرزق بأفضل رزق وأجوده (كالأسماك وديدان الفواكه ). وان
أعجز مخلوق وأرقه ليأكل أحسن رزق وأطيبه (كالأطفال والصغار ).
ولكي تفهم أن وسيلة الرزق الحلال ليست الاقتدار والاختيـار، بـل هـي العجـز
والـضعف، يكفيك أن تعقد مقارنه بين الأسماك البليدة والثعالب، وبين الصغار الذي ن لا قوة
لهم والوحوش الكاسرة، وبين الأشجار المنتصبة والحيوانات اللاهثة .
فالذي يترك صلاته لأجل هموم العيش مثَـلُه كمثل ذلك الجندي الذي يترك تدريبـه
وخندقه ويتسول متسكعاً في الأسواق. بينما الذي يقيم الصلاة دون أن ينسى نصـيبه مـن
الرزق، يبحث عنه في مطبخ رحمة الرزاق الكريم لئلا يكون عالةً على الآخرين فجميل عمله،
بل هو رجولة وشهامة، وهو ضرب من العبادة أيضاً .
ثم إن فطرة الإنسان وما أودع االله فيه من أجهزة معنوية تدلاّن على أنه مخلوق للعبادة؛
لان ما اُودع فيه من قدرات وما يؤديه من عمل لحياته الدنيا لا تبلغه مرتبة أ دنى عصـفور -
الذي يتمتع بالحياة اكثر منه وافضل - بينما يكون الإنسان سلطان الكائنات وسيد المخلوقات
من حيث حياته المعنوية والأخروية بما أودع االله فيه من علم به وافتقار إليه وقيام بعبادته .
فيا نفسي
إن كنت تجعلين الحياة الدنيا غاية المقصد وأفرغت في سبيلها جه دك فسوف تكونين
في حكم أصغر عصفور .
إن أما كنت تجعلين الحياة الأخرى غاية المنى وتتخذين هذه الحياة الدنيا وسـيلة لهـا
ومزرعة، وسعيتِ لها سعيها .. فسوف تكونين في حكم سيد الأحياء والعبد العزيز لدى خالقه
الكريم وستصبحين الـضيف المكرم الفاضل في هذه الدنيا .
فدونك طريقان اثنان، فاختاري أيما تشائين .
واسألي الرب الرحيم الهداية و التوفيق





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 7


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة السادسة بديع الزمان النورسي

23-04-2019 12:33 PM




الكلمة السادسة

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111)

إذا أردت أن تعلم أن بيع النفس والمال إلى الله تعالى، والعبودية له، والجندية في سبيله أربح تجارة واشرفها! فأنصت إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة:

وضع سلطان -ذات يوم- لدى اثنين من رعاياه وديعةً وأمانةً، لكل منهما مزرعة واسعة، فيها كل ما تتطلبه من مكائن وآلات وأسلحة وحيوانات وغيرها.. وتوافق أن كان الوقت آنذاك وقت حرب طاحنة، لا يقرّ قرار لشئ؛ فإما أن تبدّله الحرب وتغيّره أو تجعله أثرًا بعد عين. فأرسل السلطان رحمةً منه وفضلًا أحدَ رجاله المقربين مصحوبًا بأمره الكريم ليقول لهما:

«بيعوا لي ما لديكم من أمانتي لأحفظها لكم، فلا تذهب هباء في هذا الوقت العصيب، وسأردّها لكم حالما تضع الحرب أوزارها.. وسأوفي ثمنها لكم غاليًا، كأن تلك الأمانة ملككم.. وستُشغّل تلك المكائن والآلات التي في حوزتكم الآن في معاملي وبأسمي وعهدتي.. وسترتفع اثمانها من الواحد إلى الألف، فضلًا عن أن جميع الأرباح ستعود إليكم أيضًا.. وسأتعهد عنكم بجميع تكاليفها ومصاريفها، حيث أنكم عاجزون فقراء لا تتحملون مصاريف تلك المكائن.. وسأرد لكم جميع وارداتها ومنافعها، علمًا أني سأبقيها عندكم لتستفيدوا منها وتتمتعوا بها إلى أن يحين وقت أخذها.

فلكم خمس مراتب من الأرباح في صفقة واحدة.

وإن لم تبيعوها لي فسيزول حتمًا كل ما لديكم، حيث ترون أن أحدًا لا يستطيع أن يمسك بما عنده.. وستحرمون من تلك الأثمان الغالية.. وستهمل تلك الآلات الدقيقة النفيسة والموازين الحساسة والمعادن الثمينة، وتفقد قيمتها كليًا، وذلك لعدم استعمالها في أعمال راقية.. وستتحملون وحدكم إدارتها وتكاليفها وسترون جزاء خيانتكم للأمانة.. فتلك خمس خسائر في صفقة واحدة. وفوق هذا كله إن هذا البيع يعني أن البائع يصبح جنديًا حرًا أبيًا خاصًا بي، يتصرف باسمي ولا يبقى أسيرًا عاديًا وشخصًا سائبًا..».

أنصت الرجلان مليًا إلى هذا الكلام الجميل والأمر السلطاني الكريم. فقال العاقل الرزين منهما:

سمعًا وطاعة لأمر السلطان، رضيت بالبيع بكل فخر وشكر.

أما الآخر المغرور المتفرعن الغافل فقد ظن أن مزرعته لا تبيد أبدًا، ولا تصيبها تقلبات الدهر واضطرابات الدنيا، فقال:

«لا!.. ومَن السلطان؟ لا ابيع ملكي ولا أفسد نشوتي!».

ودارت الأيام.. فأصبح الرجل الأول في مقام يغبطه الناس جميعًا، إذ اضحى يعيش في بحبوحة قصر السلطان، يتنعم بألطافه ويتقلب على أرائك أفضاله. أما الآخر فقد ابتلي شرّ بلاء حتى رثى لحاله الناس كلهم، رغم إنهم قالوا: إنه يستحقها! إذ هو الذي ورّط نفسه في مرارة العذاب جزاء ما ارتكب من خطأ، فلا دامت له نشوته ولا دام له ملكه.

فيا نفسي المغرورة!

انظري من خلال منظار هذه الحكاية إلى وجه الحقيقة الناصعة. فالسلطان هو سلطان الأزل والأبد وهو ربك وخالقك. وتلك المزرعة والمكائن والآلات والموازين هي ما تملكينه في الحياة الدنيا من جسم وروح وقلب، وما فيها من سمع وبصر وعقل وخيال، أي جميع الحواس الظاهرة والباطنة. وأما الرسول الكريم فهو سيدنا محمد صلىى الله عليه وسلم. وأما الأمر السلطاني المحكم فهو القرآن الكريم الذي يعلن هذا البيع والتجارة الرابحة في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111) وأما الميدان المضطرب والحرب المدمّرة فهي أحوال هذه الدنيا، إذ لا قرار فيها ولا ثبات، كلها تقلبات تلحّ على فكر الإنسان بهذا السؤال:

«إن جميع ما نملك لا يستقر ولا يبقى في أيدينا، بل يفنى ويغيب عنّا، أليس هناك من علاج لهذا؟ ألا يمكن أن يحل البقاء بهذا الفناء؟!».

وبينما الإنسان غارق في هذا التفكير، إذا به يسمع صدى القرآن السماوي يدوّي في الآفاق ويقول له بتلك الآية الكريمة: نعم! إن هناك علاجًا لهذا الداء، بل هو علاج لطيف فيه ربح عظيم في خمس مراتب.

سؤال: وما العلاج؟

الجواب: بيعُ الأمانة إلى مالكها الحقيقي، في هذا البيع خمس درجات من الربح في صفقة واحدة.

الربح الأول: المال الفاني يجد البقاء، لأن العمر الزائل الذي يوهب للحي القيوم الباقي، ويبذل في سبيله سبحانه، ينقلب عمرًا أبديًا باقيًا. عندئذٍ تثمر دقائق العمر ثمارًا يانعة وأزاهير سعادة وضاءة في عالم البقاء مثلما تفنى البذور ظاهرًا وتنشق عنها الأزهار والسنابل.

الربح الثاني: الثمن هو الجنة.

الربح الثالث: يرتفع ثمن كل عضو وحاسة ويغلو من الواحدة إلى الألف.

فمثلًا: العقل عضو وآلة، إن لم تبعه -يا أخي- لله ولم تستعمله في سبيله، بل جعلته في سبيل الهوى والنفس، فإنه يتحول إلى عضو مشؤوم مزعج وعاجز، إذ يحمّلك آلام الماضي الحزينة وأهوال المستقبل المخيفة، فينحدر عندئذٍ إلى درك آلة ضارة مشؤومة، ألا ترى كيف يهرب الفاسق من واقع حياته وينغمس في اللهو أو السكر إنقاذًا لنفسه من إزعاجات عقله؟ ولكن إذا بيع العقل إلى الله، واُستُعمل في سبيله ولأجله، فإنه يكون مفتاحًا رائعًا بحيث يفتح ما لا يعد من خزائن الرحمة الإلهية وكنوز الحكمة الربانية فأينما ينظر صاحبه وكيفما يفكر يرى الحكمة الإلهية في كل شئ، وكل موجود، وكل حادثة. ويشاهد الرحمة الإلهية متجلية على الوجود كله، فيرقى العقل بهذا إلى مرتبة مرشدٍ رباني يهئ صاحبه للسعادة الخالدة.

ومثلًا: العين حاسة، تطل الروح منها على هذا العالم، فإن لم تستعملها في سبيل الله، واستعملتها لأجل النفس والهوى، فإنها بمشاهدتها بعض المناظر الجميلة المؤقتة الزائلة تصبح في درك الخادمة والسمسارة الدنيئة لإثارة شهوات النفس والهوى. ولكن إن بعتها إلى خالقها البصير واستعملتها فيما يرضيه، عندئذٍ تكون العين مطالِعة لكتاب الكون الكبير هذا وقارئة له، ومشاهِدة لمعجزات الصنعة الربانية في الوجود، وكأنها نحلة بين أزاهير الرحمة الإلهية في بستان الأرض، فتقطّر من شَهْد العبرة والمعرفة والمحبة نور الشهادة إلى القلب المؤمن.

ومثلًا: إن لم تبع حاسة الذوق -التي في اللسان- إلى فاطرها الحكيم، واستعملتها لأجل المعدة والنفس، فحينئذٍ تهوي إلى درك بوّاب معمل المعدة واصطبلها، فتهبط قيمتها. ولكن إن بعتَها إلى الرزاق الكريم، فإنها ترقى إلى درجة ناظر ماهر لخزائن الرحمة الإلهية، ومفتش شاكر لمطابخ القدرة الصمدانية.

فيا أيها العقل! أفق، أين الآلة المشؤومة من مفتاح كنوز الكائنات؟

ويا أيتها العين! أبصري جيدًا، أين السمسرة الدنيئة من الإمعان في المكتبة الإلهية؟

-ويا أيها اللسان! ذق بحلاوة أين بواب المعمل والإصطبل من ناظر خزينة الرحمة الإلهية؟.

فإن شئت -يا أخي- فقس بقية الأعضاء والحواس على هذا، وعندها تفهم أن المؤمن يكسب حقًا خاصية تليق بالجنة، كما أن الكافر يكتسب ماهية توافق جهنم. فما جوزي كل منهما بهذا الجزاء العادل إلاّ لأن المؤمن يستعمل بإيمانه أمانة خالقه سبحانه بأسمه وضمن دائرة مرضاته، وأن الكافر يخون الأمانة فيستعملها لهواه ولنفسه الأمارة بالسوء.

الربح الرابع: إن الإنسان ضعيف بينما مصائبه كثيرة، وهو فقير ولكن حاجته في ازدياد، وعاجز إلاّ أن تكاليف عيشه مرهقة، فإن لم يتوكل هذا الإنسان على العلي القدير ولم يستند إليه، وإن لم يسلّم الأمر إليه ولم يطمئن به، فسيظل يقاسي في وجدانه آلامًا دائمة، وتخنقه حسراته وكدحه العقيم، فإما يحوله إلى مجرم قذر أو سكير عابث.

الربح الخامس: إنه من المتفق عليه إجماعًا بين أهل الاختصاص والشهود والذوق والكشف أن العبادات والأذكار والتسبيحات التي تقوم بها الأعضاء عندما تعمل ضمن مرضاته سبحانه تتحول إلى ثمار طيبة لذيذة من ثمار الجنة، وتقدّم إليك في وقت أنت في أمس الحاجة إليها.

وهكذا.. ففي هذه التجارة ربح عظيم فيه خمس مراتب من الأرباح، فإن لم تقم بها فستحرم من أرباحها جميعها، فضلًا عن خسرانك خمس خسارات اخرى هي:

الخسارة الأولى: إن ما تحبه من مال وأولاد، وما تعشقه من هوى النفس وما تعجب به من حياة وشباب، سيضيع كله ويزول، مخلفًا آثامه وآلامه مثقل بها ظهرك.

الخسارة الثانية: ستنال عقاب من يخون الأمانة. لأنك باستعمالك أثمن الآلات والأعضاء في أخس الأعمال قد ظلمت نفسك.

الخسارة الثالثة: لقد افتريت وجنيت على الحكمة الإلهية، إذ اسقطت جميع تلك الأجهزة الإنسانية الراقية إلى دركات الأنعام بل أضل.

الخسارة الرابعة: ستدعو بالويل والثبور دائمًا، وستئن من صدمة الفراق والزوال ووطأة تكاليف الحياة التي أرهقت بها كاهلك الـضعيف مع أن فقرك قائم وعجزك دائم.

الخسارة الخامسة: إن هدايا الرحمن الجميلة -كالعقل والقلب والعين وما شابهها- ما وُهبت لك إلاّ لتهيئك لفتح أبواب السعادة الأبدية، فما أعظمها خسارة أن تتحول تلك الهدايا إلى صورة مؤلمة تفتح لك أبواب جهنم!.

والآن.. سننظر إلى البيع نفسه. أهو ثقيل متعب حقًا بحيث يهرب منه الكثيرون؟.

– كلا، ثم كلا.. فلا تعب فيه ولا ثقل أبدًا. لأن دائرة الحلال واسعة فسيحة، تكفي للراحة والسعادة والسرور. فلا داعي للولوج في الحرام.

أما ما افترضهَّ الله علينا فهو كذلك خفيف وضئيل، وأن العبودية لله بحد ذاتها شرف عظيم إذ هي جندية في سبيله سبحانه وفيها من اللذة وراحة الوجدان ما لا يوصف.

أما الواجب فهو أن تكون ذلك الجندي، فتبدأ باسم الله، وتعمل باسم الله، وتأخذ وتعطي في سبيله ولأجله، وتتحرك وتسكن ضمن دائرة مرضاته وأوامره، وإن كان هناك تقصير فدونك باب الاستغفار، فتضرع إليه وقل:

اللّهم اغفر لنا خطايانا، واقبلنا في عبادك، واجعلنا أمناء على ما أمّنته عندنا إلى يوم لقائك … آمـين.





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 8


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة السابعة بديع الزمان النورسي

23-04-2019 12:35 PM




الكلمة السابعة

بسم الله الرحمن الرحيم

آمنت بالله وباليوم الآخر

إن كنت ترغب أن تفهم كيف أن الإيمان بالله وباليوم الآخر، أثمن مفتاحين يحلاّن لروح البشر طلسم الكون ولغزه، ويفتحان أمامها باب السعادة والهناء.. وكيف أن توكّل الإنسان على خالقه صابرًا، والرجاء من رزّاقه شاكرًا، أنفع علاجين ناجعين.. وأن الإنصات إلى القرآن الكريم، والانقياد لحكمه، وأداء الصلوات وترك الكبائر، أغلى زاد للآخرة، وأسطع نور للقبر، وأيسر تذكرة مرور في رحلة الخلود.. أجل! إن كنت تريد أن تفهم هذه الأمور كلها فأنصت معي إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة:

وقع جندي -في الحرب العالمية- في مأزق عصيب ووضع محيّر، إذ أصبح جريحًا بجرحين غائرين في يمينه وفي شماله. وخلفه أسد هصور يوشك أن ينقضّ عليه. وأمامه مشنقة تبيد جميع أحبته وتنتظره أيضًا، زد على ذلك كانت أمامه رحلة نفي شاقة طويلة رغم وضعه الفظيع المؤلم!.. وبينما كان هذا المسكين المبتلى مستغرقًا في تفكير يائس من واقعه المفجع هذا، إذا برجل خيّرٍ كأنه الخضر عليه السلام يتلألأ وجهه نورًا يظهر عن يمينه ويخاطبه:

– لا تيأس ولا تقنط. سأعلمك طلسمين اثنين، إن أحسنتَ استعمالهما ينقلب ذلك الأسد فرسًا أمينًا مسخرًا لخدمتك، وتتحول تلك المشنقة أرجوحة مريحة لطيفة تأنس بها.. وسأناولك دواءين اثنين، إن احسنت استعمالهما يصيّران جرحيك المنتنين زهرتين شذّيتين، وسأزودك بتذكرة سفر تستطيع بها أن تقطع مسافة سنة كاملة في يوم واحد كأنك تطير!! وإن لم تصدّق بما أقول فجرّبه مرة، وتيقنّ من صحته وصدقه… فجرَّب الجندي شيئًا منه، فرآه صدقًا وصوابًا.

نعم، وأنا كذلك -هذا المسكين سعيد- أصدّقه، لأنني جربته قليلًا، فرأيته صدقًا وحقًا خالصًا.

ثم، على حين غرة رأى رجلًا لعوبًا دساسًا -كأنه الشيطان- يأتيه من جهة اليسار مع زينة فاخرة، وصور جذابة، ومُسْكرات مغرية، ووقف قبالته يدعوه:

– إليّ اإليّ أيها الصديق، أقبل لنلْهُ معًا ونستمتع بصور الحسناوات هذه، ونطرب بسماع هذه الألوان من الأغاني ونتلذذ بهذه المأكولات اللذيذة.. ولكن يا هذا! ما هذه التمتمة التي ترددها؟!

– إنه طلسم ولغز!

– دع عنك هذا الشئ الغامض، فلا تعكّر صفو لذتنا، وأُنسَ نشوتنا الحاضرة.. يا هذا… وما ذلك بيدك؟

– إنه دواء!

– إرمه بعيدًا، إنك سالم صحيح ما بك شئ، ونحن في ساعة طرب وأُنس ومتعة. وما هذه البطاقة ذات العلامات الخمس؟

– إنها تذكرة سفر، وأمر إداري للتوظيف!

– مزّقها، فلسنا بحاجة إلى سفر في هذا الربيع الزاهي!

وهكذا حاول بكل مكر وخديعة أن يقنع الجندي، حتى بدأ ذلك المسكين يركن شيئًا قليلًا إلى كلامه.

نعم، إن الإنسان ينخدع، ولقد خُدعت أنا كذلك لمثل هذا الماكر!

وفجأة دوّى صوت كالرعد عن يمينه يحذّره:

– إياك أن تنخدع.. قل لذلك الماكر الخبيث:

إن كنت تستطيع قتل الأسد الرابض خلفي، وأن ترفع أعواد المشنقة من أمامي، وأن تبرأني من جرحيّ الغائرين في يميني وشمالي، وأن تحول بيني وبين رحلتي الشاقة الطويلة.. نعم إن كنت تقدر على إيجاد سبيل لكل هذا فهيا أرنيه، وهات ما لديك، ولك بعد ذلك أن تدعوني إلى اللهو والطرب، وإلاّ فاسكت أيها الأبله، ليتكلم هذا الرجل السامي -الشبيه بالخضر- ليقول ما يروم.

فيا نفسي الباكية على ما ضحكتْ أيام شبابها. اعلمي! إن ذلك الجندي المسكين المتورط هو أنتِ، وهو الإنسان.. وأن ذلك الأسد هو الأجل.. وأن أعواد المشنقة تلك هي الموت والزوال والفراق الذي تذوقه كل نفس.. ألا تَرَين كيف يفارقنا كل حبيب إثر حبيب ويودعنا ليل نهار.. أما الجرحان العميقان، فأحدهما: العجز البشري المزعج الذي لا حدّ له. والآخر: هو الفقر الإنساني المؤلم الذي لا نهاية له.. أما ذلك النفي والسفر المديد فهو رحلة الامتحان والابتلاء الطويلة لهذا الإنسان، التي تنطلق من عالم الأرواح مارةً من رحم الأم ومن الطفولة والصِبا ثم من الشيخوخة ومن الدنيا ثم من القبر والبرزخ ومن الحشر والصراط.. وأما الطلسمان فهما الإيمان بالله وباليوم الآخر. نعم إن الموت بهذا الطلسم القدسي يلبس صورة فرس مسخّر بدلًا عن الأسد، بل يتخذ صورة بُراق يُخرج الإنسان المؤمن من سجن الدنيا إلى روضة الجنان، إلى روضة الرحمن ذي الجلال. ومن هنا كان الكاملون من الناس يحبّون الموت ويطلبونه، حيث رأوا حقيقته. ثم إن سير الزمان ومروره على كل شيء ونفوذ الزوال والفراق والموت والوفاة فيه يتخذ بهذا الطلسم الإيماني صورةً وضّاءة حيث تحفِز الإنسان إلى رؤية الجِدَّة بتجدد كل شئ، بل يكون مبعث التأمل في ألوان مختلفة متنوعة وأنواع متباينة لمعجزات إبداع الخالق ذي الجلال وخوارق قدرته، وتجليات رحمته سبحانه ومشاهدتها باستمتاع وبهجة كاملين. بمثل ما يضفي تبدل المرايا العاكسة لألوان نور الشمس، وتغيّر الصور في شاشة السينما من جمال وروعة إلى تكون المناظر الجذابة وتشكلها.

أما ذانك العلاجان.

فأحدهما: التوكل على الله والتحلي بالصبر، أي الاستناد إلى قدرة الخالق الكريم والثقة بحكمته سبحانه.

– أهو كذلك؟

نعم، إن من يعتمد بهوية «عجزه» على سلطان الكون الذي بيده أمر ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ كيف يجزع ويضطرب؟ بل يثبت أمام أشد المصائب، واثقًا بالله ربه، مطمئن البال مرتاح القلب وهو يردد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

نعم، إن العارف بالله يتلذذ من عجزه وخوفه من الله سبحانه. وحقًا إن في الخوف لذة! فلو تمكنّا من الاستفسار من طفل له من العمر سنة واحدة، مفترضين فيه العقل والكلام: ما أطيب حالاتك وألذها؟ فربما يكون جوابه: هو عندما ألوذ بصدر أمي الحنون بخوفي ورجائي وعجزي.. علمًا أن رحمة جميع الوالدات وحنانهن ما هي إلاّ لمعةُ تجلٍ من تجليات الرحمة الإلهية الواسعة.

ومن هنا وجد الذين كَمُل إيمانُهم لذة تفوق أية لذة كانت في العجز ومخافة الله،حتى إنهم تبرأوا إلى الله براءة خالصة من حولهم وقوتهم ولاذوا بعجزهم إليه تعالى واستعاذوا به وحده، مقدِّمين هذا العجز والخوف وسيلتين وشفيعين لهم عند البارئ الجليل.

أما العلاج الآخر فهو: الدعاء والسؤال ثم القناعة بالعطاء، والشكر عليه والثقة برحمة الرزاق الرحيم.

– أهو هكذا؟

نعم! إن من كان ضيفًا لدى الذي فَرَش له وجه الأرض مائدةً حافلة بالنعم، وجعل الربيع كأنه باقة أنيقة من الورود ووضعها بجانب تلك المائدة العامرة بل نثرها عليها، إن مَن كان ضيفًا عند هذا الجواد الكريم جلَّ وعلا كيف يكون الفقر والحاجة لديه مؤلمًا وثقيلًا؟. بل يتخذ فقره وفاقته إليه سبحانه صورة مُشهٍّ لتناول النِعم. فيسعى إلى الاستزادة من تلك الفاقة كمن يستزيد من شهيته. وهنا يكمن سبب افتخار الكاملين واعتزازهم بالفقر إلى الله تعالى.. «واياك أن تظن خلاف ما نقصد بالفقر؛ إنه استشعار الإنسان بالفقر إليه سبحانه والتضرع إليه وحده والسؤال منه، وليس المقصود إظهار الفقر إلى الناس والتذلل لهم والسؤال منهم بالتسول والاستجداء!».

أما ذلك المستند أو الأمر الإداري أو البطاقة فهو أداء الفرائض وفي مقدمتها الصلوات الخمس واجتناب الكبائر.

– أهو هكذا؟

نعم! إن جميع أهل الاختصاص والشهود وجميع أهل الذوق والكشف من العلماء المدققين والأولياء الصالحين متفقون على أن زاد طريق أبد الآباد، وذخيرة تلك الرحلة الطويلة المظلمة ونورها وبُراقها ليس إلاّ امتثال أوامر القرآن الكريم واجتناب نواهيه،وإلاّ فلا يغني العلم والفلسفة والمهارة والحكمة شيئًا في تلك الرحلة، بل تقف جميعها منطفئة الأضواء عند باب القبر.

فيا نفسي الكسول! ما أخفّ أداء الصلوات الخمس واجتناب الكبائر السبع وما أريحها وأيسرها أمام عِظَم فوائدها وثمراتها وضرورتها! إن كنتِ فطنة تفهمين ذلك. ألا قولي لمن يدعوكِ إلى الفسق واللهو والسفاهة، وإلى ذلك الشيطان الخبيث الماكر:

لو كانت لديك وسيلة لقتل الموت، ولإزالة الزوال عن الدنيا، ولو كان عندك دواء لرفع العجز والفقر عن البشرية، ووساطة لغلق باب القبر إلى الأبد، فهاتها إذن وقُلها لأسمع وأطيع.. وإلاّ فاخرس، فإن القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا. فلننصت إليه، ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لساننا رطبًا بذكره وتلاوته.

نعم! إن الكلام كلامه. فهو الحق، وهو الذي يُظهر الحقيقة وينشر آيات نور الحكمة.

اللّهم نوِّر قلوبَنا بنور الإيمان والقرآن. اللهم أغنِنا بالافتقار إليك ولا تُفقِرنا بالاستغناء عنك، تبرأنا إليك مِن حولنا وقوتنا والتجأنا إلى حولك وقوتك فاجعلنا من المتوكلين عليك ولا تكِلْنا إلى أنفسنا واحفظنا بحفظك وارحمنا وارحم المؤمنين والمؤمنات.

وصلِّ وسلم على سيّدنا محمد عبدك ونبيك وصفيك وخليلك وجمال ملكك ومليك صنعك وعين عنايتك وشمس هدايتك ولسان محبتك ومثال رحمتك ونور خلقك وشرف موجوداتك وسراج وحدتك في كثرة مخلوقاتك وكاشف طلسم كائناتك ودلاّل سلطنة ربوبيتك ومبلّغ مرضياتك ومعرّف كنوز أسمائك ومعلم عبادك وترجمان آياتك ومرآة جمال ربوبيتك ومدار شهودك وإشهادك وحبيبك ورسولك الذي أرسلته رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وعلى ملائكتك المقربين وعلى عبادك الصالحين… آمين .





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 9


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة الثامنة بديع الزمان النورسي

23-04-2019 12:36 PM




الكلمة الثامنة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة:255)

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19)

إذا أردت أن تفهم ما الدنيا وما دور الروح الإنسانية فيها، وما قيمة الدين عند الإنسان وكيف أنه لولا الدين الحق لتحولت الدنيا إلى سجن رهيب، وأن الشخص الملحد هو أشقى المخلوقات، وأن الذي يحل طلسم العالم ولغزه المحير وينقذ الروح البشرية من الظلمات إن هو إلا «يا الله…»«لا إله إلا الله..» أجل إذا كنت تريد أن تفهم كل ذلك فانصت إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة وتفكر فيها مليًا:

كان شقيقان في قديم الزمان يذهبان معًا إلى سياحة طويلة، فواصلا سيرهما سوية إلى أن وصلا إلى مفرق طريقين، فرأيا هناك رجلًا وقورًا فسألاه: أيّ الطريقين أفضل؟.

فأجابهما: في الطريق اليمين التزام إجباري للقانون والنظام، إلاّ أن في ثنايا ذلك التكليف ثمة أمان وسعادة. أما طريق الشمال ففيه الحرية والتحرر إلا أن في ثنايا تلك الحرية تهلكة وشقاء. والآن لكم الخيار في سلوك أيهما.

وبعد الاستماع إلى هذا الكلام سلك الأخ ذو الطبع الطيب طريق اليمين قائلًا: توكلت على الله. وانطلق راضيًا عن طيب نفس باتباع النظام والانتظام. أما الأخ الآخر الغاوي، فقد رجّح طريق الشمال لمجرد هوى التحرر الذي فيه.

والآن فلنتابع خيالًا هذا الرجل السائر في طريق ظاهره السهولة والخفة وباطنه من قبله الثقل والعناء. فما أن عبر الوديان العميقة والمرتفعات العالية الوعرة حتى دخل وسط مفازة خالية وصحراء موحشة؛ فسمع صوتًا مخيفًا، ورأى أن أسدًا ضخمًا غضوبًا قد انطلق من الأحراش نحوه؛ ففر منه فرارًا وهو يرتعد خوفًا وهلعًا، فصادف بئرًا معطلة على عمق ستين ذراعًا فألقى نفسه فيها طلبًا للنجاة، وفي أثناء السقوط لقَيت يداه شجرةً فتشبث بها. وكان لهذه الشجرة جذران نبتا على جدار البئر وقد سلّط عليهما فأران، أبيض وأسود. وهما يقضمان ذينك الجذرين بأسنانهما الحادة. فنظر إلى الأعلى فرأى الأسد واقفًا كالحارس على فوهة البئر، ونظر إلى الأسفل فرأى ثعبانًا كبيرًا جدًا قد رفع رأسه يريد الاقتراب منه وهو على مسافة ثلاثين ذراعًا، وله فم واسع سعة البئر نفسها. ورأى ثمة حشرات مؤذية لاسعة تحيط به. نظر إلى أعلى الشجرة فرأى أنها شجرة تين، إلا أنها تثمر بصورة خارقة أنواعًا مختلفة وكثيرة من فواكه الأشجار ابتداء من الجوز وانتهاء إلى الرمان.

لم يكن هذا الرجل ليفهم -لسوء ادراكه وحماقته- بأن هذا الأمر ليس اعتياديًا، ولا يمكن أن تأتي كل هذه الأشياء مصادفةً ومن دون قصد. ولم يكن يفهم أن في هذه الشؤون العجيبة أسرارًا غريبة، وأن هناك وراء كل ذلك من يدبّر هذه الأمور ويسيّرها.

فبينما يبكي قلب هذا الرجل وتصرخ روحه ويحار عقله من اوضاعه الأليمة إذا بنفسه الأمارة بالسوء أخذت تلتهم فواكه تلك الشجرة متجاهلة عما حولها وكأن شيئًا لم يحدث؛ سادّة أذنيها عن صرخات القلب وهواتف الروح، خادعة نفسها بنفسها رغم أن قسمًا من تلك الفواكه كانت مسمومة ومضرة.

وهكذا نرى أن هذا الرجل الشقي قد عومل بمثل ما جاء في الحديث القدسي ((أنا عند ظن عبدي بي)) أي: أنا أعامل عبدي مثلما يعرفني هو. فلقد عومل هكذا، وسيعامل مثلها أيضًا، بل لابد أن يرى مثل هذه المعاملة جزاء تلقيه كل ما يشاهده أمرًا عاديًا بلا قصد ولا حكمة وكأنه الحق بعينه، وذلك لسوء ظنه وبلاهته الخرقاء؛ فصار يتقلب في نار العذاب ولا يستطيع أن يموت لينجو ولا يقدر على العيش الكريم.

ونحن بدورنا سنرجع تاركين وراءنا ذلك المشؤوم يتلوى في عذابه؛ لنعرف ما جرى للأخ الآخر من أحوال.

فهذا الرجل المبارك ذو العقل الرشيد ما يزال يقطع الطريق دون أن يعاني الضيق كأخيه، ذلك لأنه لا يفكر إلا في الأشياء الجميلة -لما له من جمال الخُلق- ولا يأخذ بعنان الخيال إلا بما هو جميل ولطيف، لذا كان يستأنس بنفسه ولا يلاقي الصعوبة والمشقة كأخيه. ذلك لأنه يعرف النظام، ويعمل بمقتضى الولاء والاتباع. فيرى الأمور تسهل له، ويمضي حرًا منطلقًا مستظلًا بالأمان والاستقرار. وهكذا مضى حتى وجد بستانًا فيه أزهار جميلة وفواكه لطيفة مع ثمة جثث حيوانات وأشياء منتنة مبعثرة هنا وهناك بسبب اهمال النظافة. كان أخوه الشقي قد دخل -من قبل- في مثل هذا البستان أيضًا غير أنه انشغل بمشاهدة الجيف الميتة وإنعام النظر فيها مما أشعره بالغثيان والدوار. فغادره دون أن يأخذ قسطًا من الراحة لمواصلة السير. أما هذا الأخ فعملًا بقاعدة ((انظر إلى الأحسن من كل شي)) فقد أهمل الجيف ولم يلتفت إليها مطلقًا، بل استفاد مما في البستان من الأشياء والفواكه. وبعدما استراح فيه الراحة التامة مضى إلى سبيله.

ودخل – هو أيضًا كأخيه – في صحراء عظيمة ومفازة واسعة. وفجأة سمع صوت أسد يهجم عليه فخاف إلا أنه دون خوف أخيه، حيث فكّر بحُسن ظنه وجمال تفكيره قائلًا: لابد أن لهذه الصحراء حاكمًا، فهذا الأسد إذن يحتمل أن يكون خادمًا أمينًا تحت أمرته.. فوجد في ذلك اطمئنانًا، غير أنه فرّ كذلك حتى وصل وجهًا لوجه إلى بئر معطلة بعمق ستين ذراعًا فألقى نفسه فيها وأمسك -كصاحبه- بشجرة في منتصف الطريق من البئر.. وبقي معلقًا بها، فرأى حيوانين اثنين يقطعان جذري تلك الشجرة رويدًا رويدًا.. فنظر إلى الأعلى فرأى الأسد، ونظر إلى الأسفل فرأى ثعبانًا ضخمًا، ونظر إلى نفسه فوجدها -كأخيه تمامًا- في وضع عجيب غريب. فدهش من الأمر هو كذلك إلا أنه دون دهشة أخيه بألف مرة، لما منحه الله من حُسن الخلق وحُسن التفكير والفكر الجميل الذي لا يريه إلا الجهة الجميلة من الأشياء. ولهذا السبب فقد فكّر هكذا: أن هذه الأمور العجيبة ذات علاقات مترابطة بعضها ببعض، وأنها لتظهر كأن آمرًا واحدًا يحركها؛ فلابد إذن أن يكون في هذه الأعمال المحيرة سرّ مغلق وطلسم غير مكشوف.

أجل! إن كل هذا يرجع إلى أوامر حاكم خفي، فأنا إذن لست وحيدًا، بل إن ذلك الحاكم الخفي ينظر إلي ويرعاني ويختبرني، ولحكمة مقصودة يسوقني إلى مكان، ويدعونني إليه. فنشأ لديه من هذا التفكير الجميل والخوف اللذيذ شوقٌ أثار هذا السؤال: مَن يكون يا ترى هذا الذي يجرّبني ويريد أن يعرّفني نفسه؟ ومَن هذا الذي يسوقني في هذا الطريق العجيب إلى غاية هادفة؟ ثم نشأ من الشوق إلى التعرف محبة صاحب الطلسم، ونمت من تلك المحبة رغبة حل الطلسم، ومن تلك الرغبة انبثقت رغبة اتخاذ وضع جميل وحالة مقبولة لدى صاحب الطلسم حسب ما يحبه ويرضاه.

ثم نظر أعلى الشجرة فرأى أنها شجرة تين، غير أن في نهاية أغصانها آلاف الأنواع من الأثمار والفواكه، وعندها ذهب خوفه وزال نهائيًا، لأنه علم علمًا قاطعًا بأن شجرة التين هذه إنما هي فهرس ومعرض، حيث قلد الحاكم الخفي نماذخ ما في بستانه وجناته بشكل معجز عليها وزيّنها بها، اشارةً لما أعدّه من أطعمة ولذائذ لضيوفه.. وإلا فإن شجرة واحدة لن تعطي أثمار آلاف الأشجار. فلم يرَ أمامه إلا الدعاء والتضرع، فألح متوسلًا بانكسار إلى أن اُلهم مفتاح الطلسم فهتف قائلًا:

((يا حاكم هذه الديار والآفاق! التجئ إليك وأتوسل وأتضرع، فأنا لك خادم، أريد رضاك وأنا أطلبك وأبحث عنك))..

فانشق جدار البئر فجأة بعد هذا الدعاء، عن باب يفتح إلى بستان فاخر طاهر جميل، وربما انقلب فم ذلك الثعبان إلى ذلك الباب واتخذ كل من الأسد والثعبان صورة الخادم وهيأته.. فأخذا يدعوانه إلى البستان حتى أن ذلك الأسد تقمص شكل حصان مسخّر بين يديه.

فيا نفسي الكسلى! ويا صاحبي في الخيال..

تعالا لنوازن بين أوضاع هذين الأخوين كي نعلم كيف أن الحسنة تجلب الحسنة وأن السيئة تأتي بالسيئة.

إن المسافر الشقي إلى جهة الشمال معرّض في كل آن أن يلج في فم الثعبان فهو يرتجف خوفًا وهلعًا. بينما هذا السعيد يُدعى إلى بستان أنيق بهيج مثمر بفواكه شتى.. وإن قلب ذلك الشقي يتمزق في خوف عظيم ورعب أليم بينما هذا السعيد يرى غرائب الأشياء وينظر إليها بعبرة حلوة وخوف لذيذ ومعرفة محبوبة.. وإن ذلك الشقي المسكين ليعاني من الوحشة واليأس واليتم عذابًا وأي عذاب! بينما هذا السعيد يتلذذ في الأنس ويترفل في الأمل والشوق.. ثم إن ذلك المنكود يرى نفسه محكومًا عليه  كالسجين – بهجمات الحشرات المؤذية، بينما هذا السعيد المحظوظ يتمتع متعة ضيف عزيز. وكيف لا وهو ضيف عند مضيّف كريم، فيستأنس مع عجائب خدمه. ثم أن ذلك السئ الحظ ليعجّل عذابه في النار بأكله مأكولات لذيذة الطعم ظاهرًا ومسمومة حقيقةً ومعنىً، إذ إن تلك الفواكه ما هي إلا نماذج، قد اُذن للتذوق منها فحسب ليكون طالبًا لحقائقها وأُصولها ويكون شاريها الأصيل وإلاّ فلاسماح للشراهة منها كالحيوان. أما هذا السعيد المحمود فإنه يتذوق منها إذ يعي الأمر، مؤخِّرًا أكلها وملتذًا بالانتظار.. ثم إن ذلك الشقي يكون قد ظلم نفسه بنفسه؛ جارًا عليها وضعًا مظلمًا وأوهامًا ذات ظلمات حتى كأنه في جحيم، بانعدام بصيرته عن حقائق ساطعة كالنهار وأوضاع جميلة باهرة، فلا هو مستحق للشفقة ولا له حق الشكوى، مَثَله في هذا مثل رجل وسط أحبائه في موسم الصيف وفي حديقة جميلة بهيجة في وليمة طيبة للأفراح، فلعدم قناعته بها راح يرتشف كؤوس الخمر -أم الخبائث- حتى أصبح سكيرًا ثملًا؛ فشرع بالصراخ والعويل، وبدأ بالبكاء، ظانًا نفسه أنه في قلب الشتاء القارس، ومتصورًا أنه جائع وعار وسط وحوش مفترسة. فمثلما أن هذا الرجل لا يستحق الشفقة والرأفة، إذ ظلم نفسه بنفسه متوهمًا أصدقاءه وحوشًا، محتقرًا لهم.. فكذلك هذا المشؤوم.

ولكنما ذلك السعيد يبصر الحقيقة، والحقيقة بذاتها جميلة، ومع ادراك جمال الحقيقة فإنه يحترم كمال صاحب الحقيقة ويوقّره فيستحق رحمته.

فاعلم إذن سرًا من أسرار: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء:79)

فلو وازنت سائر هذه الفروق وأمثالها لعلمت أن النفس الأمارة للأول قد أحضرت له جهنم معنوية، بينما الآخر قد نال بحسن نيته وحسن ظنه وحسن خصلته وحسن فكره- الفيض والسعادة والإحسان العميم.

فيا نفسي. ويا أيها الرجل المنصت معي إلى هذه الحكاية!

إذا كنت تريد أن لا تكون مثل ذلك الأخ المشؤوم وترغب في أن تكون كالأخ السعيد فاستمع إلى القرآن الكريم وأرضخ لحكمه واعتصم به واعمل بأحكامه.

وإذا كنت قد وعيت ما في هذه الأقصوصة التمثيلية من حقائق؛ فإنك تستطيع أن تطبق عليها الحقيقة الدينية والدنيوية والإنسانية والإيمانية كلها. وسأقول لك الأسس، واستخرج بنفسك الدقائق!

فالإخوان الاثنان: أحدهما روح المؤمن وقلب الصالح، والآخر روح الكافر وقلب الفاسق.. أما اليمين من تلكما الطريقين فهو طريق القرآن وطريق الإيمان وأما الشمال فطريق العصيان والكفران.. وأما ذلك البستان في الطريق فهو الحياة الاجتماعية المؤقتة للمجمتع البشري والحضارة الإنسانية التي يوجد فيها الخير والشر والطيب والخبيث والطاهر والقذر معًا. فالعاقل هو مَن يعمل على قاعدة: ((خذ ما صفا.. دع ما كدر)) فيسير مع سلامة القلب واطمئنان الوجدان.

وأما تلك الصحراء فهي هذه الدنيا وهذه الأرض.. وأما ذلك الأسد فهو الأجل والموت.. وأما تلك البئر فهي جسد الإنسان وزمان الحياة. وأما ذلك العمق البالغ ستين ذراعًا فهو اشارة إلى العمر الغالب، وهو معدل العمر ستون سنة.. وأما تلك الشجرة فهي مدة العمر ومادة الحياة.. وأما الحيوانان الإثنان، الأسود والأبيض فهما الليل والنهار.. وأما ذلك الثعبان فهو فم القبر المفتوح إلى طريق البرزخ ورواق الآخرة، إلا أن ذلك الفم هو للمؤمن باب يفتح من السجن إلى البستان.. وأما تلك الحشرات المضرة فهي المصائب الدنيوية، إلا أنها للمؤمن في حكم الإيقاظات الإلهية الحلوة والالتفاتات الرحمانية لئلا يغفل.. وأما مطعومات تلك الشجرة فهي النعم الدنيوية التي صنعها ربّ العزة الكريم لكي تكون فهرسًا للنعم الأخروية ومذكِّرة بها، بمشابهتها لها، وقد خلقها البارئ الحكيم على هيئة نماذج لدعوة الزبائن إلى فواكه الجنة، وإن اعطاء تلك الشجرة على وحدتها الفواكه المختلفة المتباينة اشارة إلى آية الصمدانية وختم الربوبية الآلهية وطغراء سلطنة الألوهية. ذلك لأن ((صنع كل شئ من شئ واحد)) أي صنع جميع النباتات وأثمارها من تراب واحد، وخلق جميع الحيوانات من ماء واحد، وابداع جميع الأجهزة الحيوانية من طعام بسيط. وكذا ((صنع الشئ الواحد من كل شئ)) كبناء لحم معين وجلد بسيط لذي حياة من مطعومات مختلفة الأجناس.. إنما هي الآية الخاصة للذات الأحدية الصمدية والختم المخصوص للسلطان الأزلي الأبدي وطغراؤه التي لا يمكن تقليدها أبدًا.

نعم إن خلق شئ من كل شئ وخلق كل شئ من شئ، إنما هو خاصية تعود إلى خالق كل شئ.. وعلامة مخصوصة للقادر على كل شئ. وأما ذلك الطلسم فهو سر حكمة الخلق الذي يُفتح بسر الإيمان.

وأما ذلك المفتاح فهو ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾  و ((يا الله)) و ﴿لاإله إلا الله.. ﴾

وأما انقلاب فم ذلك الثعبان إلى باب البستان فهو رمز إلى أن القبر هو سجن الوحشة والنسيان والإهمال والضيق، فهو كبطن الثعبان لأهل الضلالة والطغيان. ولكنه لأهل الإيمان والقرآن باب مفتوح على مصراعيه من سجن الدنيا إلى بستان البقاء، ومن ميدان الامتحان إلى روضة الجنان، ومن زحمة الحياة إلى رحمة الرحمن.. وأما انقلاب ذلك الأسد المفترس إلى حصان مسخر وإلى خادم مؤنس فهو اشارة إلى أن الموت لأهل الضلال فراق أبدي أليم من جميع الأحبة، وخروج من جنة دنيوية كاذبة إلى وحشة سجن انفرادي للقبر، وضياع في تيه سحيق، بينما هو لأهل الهداية وأهل القرآن رحلة إلى العالم الآخر، ووسيلة إلى ملاقاة الأحبة والأصدقاء القدامى، وواسطة إلى دخول الوطن الحقيقي ومنازل السعادة الأبدية، ودعوة كريمة من سجن الدنيا إلى بساتين الجنان، وانتظار لأخذ الأجرة للخدمات تفضلًا من الرحمن الرحيم، وتسريح من تكاليف الحياة واجازة من وظيفتها، واعلان الانتهاء من واجبات العبودية وامتحانات التعليم والتعليمات.

نحصل من هذا كله:

أن كل من يجعل الحياة الفانية مبتغاه فسيكون في جهنم حقيقةً ومعنىً، حتى لو كان يتقلب ظاهرًا في بحبوحة النعيم.

وإن كل من كان متوجهًا إلى الحياة الباقية ويسعى لها بجد وإخلاص فهو فائز بسعادة الدارين وأهل لهما معًا حتى لو كانت دنياه سيئة وضيقة، إلا أنه سيراها حلوة طيبة، وسيراها قاعة انتظار لجنته، فيتحملها ويشكر ربه فيها وهو يخوض غمار الصبر.

اللهم اجعلنا من أهل السعادة والسلامة والقرآن والإيمان .. آمين.

اللّهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه بعدد جميع الحروفات المتشكلة في جميع الكلمات المتمثلة بإذن الرحمن في مرايا تموجات الهواء عند قراءة كل كلمة من القرآن من كل قارئ من أول النزول إلى آخر الزمان.

وارحمنا ووالدينا وارحم المؤمنين والمؤمنات بعددها برحمتك يا أرحم الراحمين آمين .. والحمد لله رب العالمين.





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.

مشاركة : 10


*The Lord*

مشـرف السـاحة التقنيـة

الحياة ليست عادلة , فلتعود نفسك على ذلك




مسجل منذ: 13-08-2011
عدد المشاركات: 1434
تقييمات العضو: 321
المتابعون: 136

غير موجود
اشــترك بالتحديثات
رسالة مستعجلة

الكلمة التاسعة سعيد الدين النورسي

10-05-2019 09:24 PM




الكلمة التاسعة

فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) سورة الروم

أيها الأخ!  تسألني عن حكم ِ ة تخصيص الصلاة في هذه الأوقات الخمسة المعينة،
فسنشير إلى حكمة واحدة فقط من بين ِ حكمها الوفيرة.
نعم، كما أن وقت كل صلاة بداية انقلاب زمني عظيم ومهم، فهو كذلك مرآة لتصرُّف إلهي عظيم، تعكس الآلاء الإلهية الكلية في ذلك الوقت. لهذا فقد أمر في تلك الأوقات
بالصلاة، أي الزيادة من التسبيح والتعظيم للقدير ذي الجلال، والإكثار من الحمد والشكر
لنِعمه التي لا  تحصى والتي تجمعت بين الوقتين. ولأجل فهم بعض من هذا المعنى العميق
( الدقيق، ينبغي الإصغاء -مع نفسي- إلى خمس نكات.
//النكتة: هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، و ُ سميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها. )
التعريفات للجرجاني.//

النكتة الأولى

إن معنى الصلاة هو التسبيح والتعظيم والشكر لله تعالى، أي تقديسه جل وعلا تجاه
،« الله أكبر » : وتعظيمه تجاه كماله لفظا وعملا بقول ،« سبحان الله » : جلالِه قولا وفعلا بقول
.« الحمد لله » : وشكره تجاه جماله قلبا ولسانا وجسما بقول
الصلاة وبذورها، فوجدت هذه  أي إن التسبيح والتكبير والتحميد هو بمثابة
نوى الصلاة وبذورها  فوجدت هذه الثلاثة في جميع حركات الصلاة وأذكارها. ولهذا أيضا ُ تكرَّر هذه الكلمات الطيبة الثلاث
ثلاثا وثلاثين مرة عقب الصلاة، وذلك للتأكيد على معنى الصلاة وترسيخه، إذ بهذه الكلمات
الموجزة المجملة يؤكَّد معنى الصلاة ومغزاها.


النكتة الثانية

إن معنى العبادة هو سجود العبد بمحبة خالصة وبتقدير وإعجاب في الحضرة الإلهية
وأمام كمال الربوبية والقدرة الصمدانية والرحمة الإلهية ُ مشاهدا في نفسه تقصيره وعجزه وفقره.
نعم، كما أن سلطنة الربوبية تتطلب العبودية والطاعة، فإن ُ قدسيتها ونزاهتها تتطلب
أيضا أن ُ يعلن العبد -مع استغفاره برؤية تقصيره- أن ربَّه منزه عن أي نقص، وأنه ُ متعال على جميع أفكار أهل الضلالة الباطلة، وأنه مقدس من جميع تقصيرات الكائنات ونقائصها، أي أن
.« سبحان الله » : يعلن ذلك كلَّه بتسبيحه بقوله
وكذا قدرة الربوبية الكاملة تتطلب من العبد أيضا أن يلتجئ إليها، ويتوكل عليها
بإعجاب وتقدير واستحسان « الله أكبر » لرؤيته ضعف نفسه الشديد وعجز المخلوقات قائلا
تجاه عظمة آثار القدرة الصمدانية، ماضيا إلى الركوع بكل خضوع وخشوع.
وكذا رحمة الربوبية الواسعة تتطلب أيضا أن ُ يظهر العب ُ د حاجاته الخاصة وحاجات
جميع المخلوقات وفقرها بلسان السؤال والدعاء، وأن يعلن إحسان ربِّه وآلاءه العميمة
.« الحمد لله » بالشكر والثناء والحمد بقوله
أي إن أفعال الصلاة وأقوا َ لها تتضمن هذه المعاني. ولأجل هذه المعاني ُ فرضت الصلاة
من لدنه سبحانه وتعالى.


النكتة الثالثة

كما أن الإنسان هو مثال مصغر لهذا العالم الكبير، وأن سورة الفاتحة مثال منور للقرآن
العظيم، فالصلاة كذلك فهرس نوراني شامل لجميع العبادات، وخريطة سامية تشير إلى أنماط عبادات المخلوقات جميعا.


النكتة الرابعة

إن عقارب الساعة التي َ تعدُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام، كل منها يناظر الآخر،
ويمثل الآخر، ويأخذ كل منها حكم الآخر.
فإن دوران الليل والنهار الذي هو  كذلك في عالم الدنيا الذي هو ساعة إلهية كبر بِ ُ حكم الثواني للساعة، والسنوات التي تعد الدقائق، وطبقات عمر الإنسان التي تعد
الساعات، وأدوار عمر العالم التي تعد الأيام، كل منها يناظر الآخر، ويتشابه معه، ويماثله، ويذكر كل منها الآخر، ويأخذ ُ حكمه. فمثلا:
وقت الفجر إلى طلوع الشمس: يشبه ويذكر ببداية الربيع وأوله، وبأوان سقوط
الإنسان في رحم الأم، وباليوم الأول من الأيام الستة في خلق السموات والأرض، فينبه
الإنسان إلى ما في تلك الأوقات من الشؤون الإلهية العظيمة.
أما وقت الظهر: فهو يشبه ويشير إلى منتصف الصيف، وإلى عنفوان الشباب، وإلى
فترة خلق الإنسان في عمر الدنيا، ويذكر ما في ذلك كله من تجليات الرحمة وفيوضات النعمة.
أما وقت العصر: فهو يشبه موسم الخريف، وزمن الشيخوخة، وعصر السعادة الذي
هو عصر خاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ويذ ّ كر بما في ذلك كله من الشؤون الإلهية
والآلاء الرحمانية.
أما وقت المغرب: فإنه يذكر بغروب أغلب المخلوقات وأفولها نهاية الخريف، ويذكر
أيضا بوفاة الإنسان، وبدمار الدنيا عند قيام الساعة، ومع ذلك فهو يعلم التجليات الجلالية،
ويوقظ الإنسان من نوم الغفلة وينبهه.
أما وقت العشاء: فيذكر بغشيان عالم الظلام و َ ستره آثار عالم النهار بكفنه الأسود،
ويذ ّ كر أيضا بتغطية الكفن الأبيض للشتاء وجه الأرض الميتة، وبوفاة حتى آثار الإنسان المتوفى
ودخولها تحت ستار النسيان، وبانسداد أبواب دار امتحان الدنيا نهائيا، ويعلن في ذلك كله
تصرفات جلالية للقهار ذي الجلال.

أما وقت الليل: فإنه يذكر بالشتاء، وبالقبر، وبعالم البرزخ، فضلا عن أنه يذ ّ كر روح
حاجتها إلى رحمة الرحمن. ￯ الإنسان بمد
أما التهجد في الليل: فإنه يذ ّ كر بضرورته ضياء لليل القبر، ولظلمات عالم البرزخ، وينبه
أهلية ￯ ويذ ّ كر بنِعم غير متناهية للمنعم الحقيقي َ عبر هذه الانقلابات، ويعلن أيضا عن مد المنعم الحقيقي للحمد والثناء.
أما الصباح الثاني: فإنه يذ ّ كر بصباح الحشر. نعم، كما أن مجيء الصبح لهذا الليل،
ومجيء الربيع لهذا الشتاء معقول وضروري وحتمي، فإن مجيء صباح الحشر وربيع البرزخ
هما بالقطعية والثبوت نفسيهما.
فكل وقت إذن -من هذه الأوقات الخمسة- بداية انقلاب عظيم، ويذكر بانقلابات
عظيمة، فهو يذ ّ كر أيضا بمعجزات القدرة الصمدانية وهدايا الرحمة الإلهية، سواء منها ￯ أخر
السنوية أو العصرية أو الدهرية، بإشارات تصرفاتها اليومية العظيمة.
أي إن الصلاة المفروضة التي هي وظيف ُ ة الفطرة وأسا ُ س العبودية والدَّين المفروض،
لائقة جدا ومنا ِ سبة جدا في أن تكون في هذه الأوقات حقا.


النكتة الخامسة

إن الإنسان بفطرته ضعيف جدا، ومع ذلك فما أكثر المنغصات التي ُ تورثه الحزن والألم. وهو في الوقت نفسه عاجز جدا، مع أن أعداءه ومصائبه كثيرة جدا. وهو فقير جدا مع
أن حاجاته كثيرة وشديدة. وهو كسول وبلا اقتدار مع أن تكاليف الحياة ثقيلة عليه. وإنسانيته
جعلته يرتبط بالكون جميعا مع أن فراق ما يحبه وزوال ما يستأنس به يؤلمانه، وعقله يريه مقاصد
سامية وثمارا باقية، مع أن يده قصيرة، وعمره قصير، وقدرته محدودة وصبره محدود.
فروح الإنسان في هذه الحالة:
(في وقت الفجر) أحوج ما تكون إلى أن تطرق -بالدعاء
والصلاة- باب القدير ذي الجلال، وباب الرحيم ذي الجمال، عارضة حالها أمامه، سائلة
التوفيق والعون منه سبحانه. وما أشدَّ افتقار تلك الروح إلى نقطة استناد كي تتحمل ما سيأتي أمامها من أعمال، وما ستحمل على كاهلها من وظائف في عالم النهار الذي يعقبه. ألا ُ يفهم
ذلك بداهة؟
وعند وقت الظهر ذلك الوقت الذي هو ذروة كمال النهار وميلانه إلى الزوال، وهو
أوان تكامل الأعمال اليومية، وفترة استراحة موقتة من عناء المشاغل.. وهو وقت حاجة الروح
إلى التنفس والاسترواح مما تعطيه هذه الدنيا الفانية والأشغال المرهقة الموقتة من غفلة وحيرة
واضطراب فضلا عن أنه أوان تظاهر الآلاء الإلهية.
فخلاص روح الإنسان من تلك المضايقات، وانسلالها من تلك الغفلة والحيرة،
وخروجها من تلك الأمور التافهة الزائلة، لا يكون إلا بالالتجاء إلى باب القيوم الباقي
-وهو المنعم الحقيقي- بالتضرع والتوسل أمامه مكتوف اليدين شاكرا حامدا لمح ّ صلة نِعمه
المتجمعة، مستعينا به وحده، مع إظهار العجز أمام جلاله وعظمته بالركوع، وإعلان الذل
والخضوع -بإعجاب وتعظيم وهيام- بالسجود أمام كماله الذي لا يزول، وأمام جماله الذي لا
يحول. وهذا هو أداء صلاة الظهر، فما أجملها، وما ألذَّها، وما أجدرها، وما أعظم ضرورتها!
ومن ثم فلا يحسبن الإنسان نفسه إنسانا إن كان لا يفهم هذا.
وعند وقت العصر الذي يذ ّ كر بالموسم الحزين للخريف، وبالحالة المحزنة للشيخوخة،
وبالأيام الأليمة لآخر الزمان، وبوقت ظهور نتائج الأعمال اليومية، فهو فترة حصول المجموع
الكلي الهائل للنعم الإلهية، أمثال التمتع بالصحة والتنعم بالعافية، والقيام بخدمات طيبة. وهو
كذلك وقت الإعلان بأن الإنسان ضيف مأمور، وبأن كل شيء يزول، وهو بلا ثبات ولا
قرار، وذلك بما يشير إليه انحناء الشمس الضخمة إلى الأفول.
نعم إن روح الإنسان التي تن ُ شد الأبدية والخلود، وهي التي ُ خلقت للبقاء والأبد،
وتعشق الإحسان، وتتألم من الفراق، ُ تنهض بهذا الإنسان ليقوم وقت العصر و ُ يسبغ الوضوء
لأداء صلاة العصر، ليناجي متضرعا أمام باب الحضرة الصمدانية للقديم الباقي وللقيوم
السرمدي، وليلتجئ إلى فضل رحمته الواسعة، وليقدم الشكر والحمد على نعمه التي لا تحصى،
فيركع بكل ذلٍّ وخضوع أمام عزة ربوبيته سبحانه ويهوي إلى السجود بكل تواضع وفناء أمام
سرمدية ألوهيته، ويجد السلوان الحقيقي والراحة التامة لروحه بوقوفه بعبودية تامة وباستعداد كامل أمام عظمة كبريائه جل وعلا. فما أسماها من وظيفة تأدية صلاة العصر بهذا المعنى! وما
أليقها من خدمة! بل ما أحقَّه من وقت لقضاء َ دين الفطرة، وما أعظمه من فوز للسعادة في
منتهى اللذة! فمن كان إنسانا حقا فسيفهم هذا.
وعند وقت المغرب الذي يذكر بوقت غروب المخلوقات اللطيفة الجميلة لعالم الصيف
والخريف في خزينة الودائع منذ ابتداء الشتاء، ويذ ّ كر بوقت دخول الإنسان القبر عند وفاته
وفراقه الأليم لجميع أحبته، وبوفاة الدنيا كلها بزلزلة سكراتها وانتقال ساكنيها جميعا إلى عوالم أخر
ويذ ّ كر كذلك بانطفاء مصباح دار الامتحان هذه. فهو وقت إيقاظ قوي وإنذار شديد
لأولئك الذين يعشقون لحد العبادة المحبوبات التي تغرب وراء أفق الزوال. لذا فالإنسان
الذي يملك روحا صافية كالمرآة المجلوة المشتاقة فطر ً ة إلى تجليات الجمال الباقي، لأجل أداء
صلاة المغرب في مثل هذا الوقت يو ّ لي وجهه إلى عرش عظمة َ من هو قديم لم يزل، ومن هو
« الله أكبر » : باق لا يزال، و َ من هو يدبر أمر هذه العوالم الجسيمة ويبدلها، فيدوي بصوته قائلا
فوق رؤوس هذه المخلوقات الفانية، ُ مطلقا يده منها، مكتوفا في خدمة مولاه الحق منتصبا قائما
أمام كماله الذي لا نقص فيه، وأمام جماله « الحمد لله » : عند َ من هو دائم با ٍ ق جل وعلا ليقول // إياك نعبد وإياك نستعين //
الذي لا مثيل له، واقفا أمامه ُ مثنيا رحمته الواسعة
ليعرض عبوديته واستعانته تجاه ربوبية مولاه التي لا معين لها وتجاه ألوهيته التي لا شريك
لها، وتجاه سلطنته التي لا وزير لها.
فيركع إظهارا لعجزه وضعفه وفقره مع الكائنات جميعا أمام كبريائه سبحانه التي لا
منتهى لها، وأمام قدرته التي لا حد لها، وأمام عزته التي لا عجز فيها، مسبحا ربه العظيم قائلا:
ثم يهوي إلى السجود أمام جمال ذاته الذي لا يزول، وأمام صفاته المقدسة .« سبحان ربي العظيم »
التي لا تتغير، وأمام كمال سرمديته الذي لا يتبدل، ُ معلنا بذلك حبَّه وعبوديته في إعجاب وفناء
واجدا جميلا باقيا ورحيما سرمديا « سبحان ربي الأعلى » : وذل، تاركا ما سواه سبحانه قائلا
بدلا من كل فان. فيقدس ربَّه الأعلى المنزه عن الزوال المبرأ من التقصير ويجلس للتشهد،
فيقدم التحيات والصلوات الطيبات لجميع المخلوقات هدية باسمه إلى ذلك الجميل الذي لم يزل وإلى ذلك الجليل الذي لا يزال، مجددا بيع َ ته مع رسوله الأكرم بالسلام عليه ُ مظهرا بها
الانتظام الحكيم لقصر الكائنات هذا، ويشهده على وحدانية الصانع ￯ طاعته لأوامره، فير ذي الجلال، فيجدد إيمانه وينوره، ثم يشهد على دلال الربوبية ومبلغ مرضياتها وترجمان آيات
كتاب الكون الكبير ألا وهو محمد العربي صلى الله عليه وسلم.
فما ألطف وما أنزه أداء صلاة المغرب وما أجلَّها من مهمة -بهذا المضمون- وما أعزَّها
وأحلاها من وظيفة، وما أجملها وأل ّ ذها من عبودية، وما أعظمها من حقيقة أصيلة! وهكذا
كيف أنها ُ صحبة كريمة وجلسة مباركة وسعادة خالدة في مثل هذه الضيافة الفانية.. ￯ نر أفيحسب َ من لم يفهم هذا نفسه إنسانا؟!
وعند وقت العشاء ذلك الوقت الذي تغيب في الأفق حتى تلك البقية الباقية من آثار
وهو « مقلب الليل والنهار » النهار، ويخيم الليل فيه على العالم، فيذ ّ كر بالتصرفات الربانية ل القدير ذو الجلال في قلبه تلك الصحيفة البيضاء إلى هذه الصحيفة السوداء. ويذ ّ كر كذلك
وهو الحكيم ذو الكمال في قلبه الصحيفة « مس ّ خر الشمس والقمر » بالإجراءات الإلهية ل
الخضراء المزيِّنة للصيف إلى الصحيفة البيضاء الباردة للشتاء. ويذ ّ كر كذلك بالشؤون الإلهية
بانقطاع الآثار الباقية -بمرور الزمن- لأهل القبور من هذه الدنيا « خالق الموت والحياة » ل
وانتقالها كليا إلى عالم آخر. فهو وقت يذ ّ كر بالتصرفات الجلالية، وبالتجليات الجمالية لخالق
الأرض والسموات، وبانكشاف عالم الآخرة الواسع الفسيح الخالد العظيم، وبموت الدنيا
الضيقة الفانية الحقيرة، ودمارها دمارا تاما بسكراتها الهائلة. إنها فترة -أو حالة- ُ تثبت أن
المالك الحقيقي لهذا الكون بل المعبود الحقيقي والمحبوب الحقيقي فيه لا يمكن أن يكون إ ّ لا
َ من يستطيع أن يق ّ لب الليل والنهار والشتاء والصيف والدنيا والآخرة بسهولة كسهولة تقليب
صفحات الكتاب، فيكتب و ُ يثبت ويمحو ويب ّ دل، وليس هذا إلا شأن القدير المطلق النافذ
حكمه على الجميع جل جلاله.
وهكذا فروح البشر التي هي في منتهى العجز وفي غاية الفقر والحاجة، والتي هي
في حيرة من ظلمات المستقبل وفي َ وجل مما تخفيه الأيام والليالي.. تدفع الإنسان عند أدائه
لصلاة العشاء -بهذا المضمون- أن لا يتردد في أن يردد على غرار سيدنا إبراهيم عليه السلام: // لا احب الأفلين الانعام 76
فيلتجئ بالصلاة إلى باب َ من هو المعبود الذي لم يزل
و َ من هو المحبوب الذي لا يزال، مناجيا ذلك الباقي السرمدي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا
العالم الفاني، وفي هذه الحياة المظلمة والمستقبل المظلم، لينشر على أرجاء دنياه النور من خلال
صحبة خاطف ٍ ة ومناجاة موقتة، ولين ّ ور مستقبله ويضمد جراح الزوال والفراق عما يح ّ به من
أشياء وموجودات ومن أشخاص وأصدقاء وأحباب، بمشاهدة تو ّ جه رحم ِ ة الرحمن الرحيم،
وطلب نور هدايته. فينسى -بدوره- تلك الدنيا التي أن َ سته، والتي اختفت وراء العشاء،
فيسكب عبرات قلبه، ولوعة صدره، على عتبة باب تلك الرحمة، ليقوم بوظيفة عبوديته النهائية
قبل الدخول فيما هو مجهول العاقبة، ولا يعرف ما ُ يفعل به بعده، من نوم شبيه بالموت، وليختم
دفتر أعماله اليومية بحسن الخاتمة.
ولأجل ذلك كله يقوم بأداء الصلاة، فيتشرف بالمثول أمام َ من هو المعبود المحبوب
الباقي بدلا من المحبوبات الفانية، وينتصب قائما أمام َ من هو القدير الكريم بدلا من جميع
العجزة المتسولين، وليسمو بالمثول في حضرة َ من هو الحفيظ الرحيم لينجو من شر من يرتعد
منهم من المخلوقات الضارة. فيستهل الصلاة بالفاتحة، أي بالمدح والثناء لرب العالمين الكريم
الرحيم الذي هو الكامل المطلق والغني المطلق، بدلا من مدح مخلوقات لا طائل وراءها وغير
فيرقى إلى مقام .￯ جديرة بالمدح وهي ناقصة وفقيرة وبدلا من البقاء تحت ذل المنّة والأذ
الضيف الكريم في هذا الكون، وإلى مقام الموظف المرموق فيه رغم أنه ضئيل وصغير بل  أي انتسابه لمالك يوم الدين هو معدوم. وذلك بسموه إلى مرتبة خطاب //إياك نعبد // 
ولسلطان الأزل والأبد. فيقدم بقوله: // اياك نعبد واياك نستعين //
والمجتمع الأعظم لجميع المخلوقات طالبا الهداية إلى الصراط ￯ واستعانات الجماعة الكبر
المستقيم الذي هو طريقه المنور الموصل إلى السعادة الأبدية عبر ظلمات المستقبل بقوله: // اهدنا الصراط المستقيم //
ويتفكر في كبريائه سبحانه وتعالى ويتأمل في أن هذه الشموس
المستترة -التي هي كالنباتات والحيوانات النائمة الآن- وهذه النجوم المنتبهة، جنود مطيعة
مسخرة لأمره جل وعلا، وأن كل واحد منها ما هو إلا مصباح في دار ضيافته هذه، وكل واحد  منها خادم عامل. فيك ّ بر قائلا  « الله أكبر » :ليبلغ الركوع.

لجميع المخلوقات كيف أن أنواع الموجودات في كل سنة، ￯ ثم يتأمل بالسجدة الكبر
وفي كل عصر -كالمخلوقات النائمة في هذا الليل- بل حتى الأرض نفسها وحتى العالم كله،
إنما هو كالجيش المنظم، بل كالجندي المطيع، وعندما تسرح الدنيا من وظيفتها الدنيوية بأمر: كن فيكون
أي عندما ُ ترسل إلى عالم الغيب تسجد في منتهى النظام في الزوال على سجادة
وهي ُ تبعث و ُ تحشر كذلك في الربيع بنفسها أو بمثلها، بصيحة .« الله أكبر »
فيتأهب الجميع في خضوع وخشوع لأمر ﴾كن فيكون // إحياء وإيقاظ صادر من أمر
مولاهم الحق. فهذا الإنسان الضعيف اقتداء بتلك المخلوقات، يهوي إلى السجود أمام ديوان
في حبٍّ غامر بالإعجاب وفي فنائية « الله أكبر » : الرحمن ذي الكمال والرحيم ذي الجمال قائلا
مفعمة بالبقاء وفي ذل مكلل بالعز.
فلا شك يا أخي أن قد فهمت أن أداء صلاة العشاء سمو وصعود فيما يشبه المعراج.
وما أجملها من وظيف ٍ ة وما أحلاها من واجب وما أسماها من خدمة وما أعزها وألذها من
عبودية وما ألبقها من حقيقة أصيلة! أ ْ ي أن كل وقت من هذه الأوقات إشارات لانقلاب
زمني عظيم، وأمارات لإجراءات ربانية جسيمة، وعلامات لإنعامات إلهية كلية. لذا فإن
تخصيص صلاة الفرض -التي هي َ دين الفطرة- في تلك الأوقات هو منتهى الحكمة.
سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الخبير


والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد


والسلام عليكم





ملتقى طلاب جامعة دمشق




أنت غير مسجل لدينا.. يمكنك التسجيل الآن.
 








ملتقى طلاب الجامعة... منتدى غير رسمي يهتم بطلاب جامعة دمشق وبهم يرتقي...
جميع الأفكار والآراء المطروحة في هذا الموقع تعبر عن كتّابها فقط مما يعفي الإدارة من أية مسؤولية
WwW.Jamaa.Net
MADE IN SYRIA - Developed By: ShababSy.com
أحد مشاريع Shabab Sy
الإتصال بنا - الصفحة الرئيسية - بداية الصفحة