رأيته اليوم مختلفاً.. مع أننا نعمل معاً منذ ما يقارب الست سنوات !! رغم نظراته الخجول شعرت بعينيه تراقباني بصمت.. تصلان إلى أعماقي و تزيلان بسهولة الغبار عن قلبي الموصد منذ زمن ... لم يَنطُق بشيء .. ودعتني عيناه و رحل ...
عدت يومها إلى البيت ، و إحساسٌ غريبٌ يرافقني . لم أشعر برغبةٍ في القيام بأي شيء ، في الوقت نفسه لم أرغب في البقاء وحيدة.. كي لا أفكر في نظراته.. حقيقةً كانت أم وهما؟؟... حاولت بشتى الوسائل ألّا أحظى بلحظة خلوة مع نفسي ..أجهدتها بالأعمال حتى حلّ الليل و غفوت دون تفكير ..
قابلني صباحاً .. كان مشرق الوجه كعادته.. تعلو شفتيه ابتسامة لا أدري أزادته وسامةً أم أني وحدي ظننت ذلك !!..
سألني عن حالي ، لأول مرة ، و كيف أُمضي أيامي.. أجبته و بركانٌ يثور في قلبي .. سألته بدوري بعض الأسئلة .. أجابني بهدوء ... لم يقل شيئاً يزيل حيرتي . ودعتني عيناه و رحل ...
صرتُ أعود إلى منزلي و الحيرة تستوطن ملامحي... حاولت أن أشغل نفسي مجدداً بأي أمر حتى لا أفكر فيه ... وجدت سلواي في أحد كتبي المهجورة منذ زمن ..أقبلت أقرأ بنهمٍ لساعات كي لا أمنح نفسي فرصةً لتَذكُرِّه .. ورغم أنّي أحياناً كنت ألمح عينيه بين السطور .. تابعت تقليب الصفحات حتى دهمني النوم ...
استيقظت صباحاً و خوفٌ غريب يسيطر عليّ... أصبحت أخشى قدوم الصباح فهذا يعني موعدي مع الحيرة ...تجنبت مصادفته ذلك اليوم ... و عندما حان وقت الانصراف وجدته أمامي بعينيه الحالمتين و نظراته المرتبكة ، صافحني ، تمنى لي يوماً سعيداً و رحل ..
لا أدري يومها لمَ نقمت عليه!!.. كان يتصرف ببساطة و هدوء و رغم هذا كنت أشعر بعواصف حائرة تثور في عقلي و قلبي معاً ..
لم أستطع يومها أن لا أفكر فيه و فيما يحاول جاهداً أن يُشعرني به .. لم أنم ليلتها للحظة ... أخيراً قررت لن أُكَلّمَه بعد الآن .. نعم سأبتعد عنه ... لقد تعبت .. نعم عقدت العزم و توجهت بقراري هذا إلى العمل ..
وجدته ينتظرني ليتمنى لي صباحاً جميلاً .. أحسست برغبة في البكاء ، كم تمنيتُ أن أثور في وجهه " ماذا تريد مني؟؟ لمَ تفعل بي ما تفعل؟؟ " ... كل ما استطعت فعله أني رددت تحيته و سرتُ مبتعدة .
في نهاية ذلك اليوم الكئيب .. خرجت مسرعةً فوجدته أمامي ... وقفت و الدهشة تملؤني ... كان الخجل يقطر منه كعادته لكن ما لم أعتده أن يكون مرتبكاً هكذا .
بدأ الكلام و عيناه تجولان في المكان ، يتحاشى أن تتلاقى نظراتنا . وقف يُعبّر عن إعجابه و رغبته في أن أكون شريكة حياته . لم أعد أدري أحلمّ ما أعيشه أم واقع؟؟ . ذكر ما يرغب به ووقف ينتظر بخوف الطفل الصغير ما سأقوله ...
كنت أُحلّق في عالم المفاجآت لم أستوعب بعد ما حدث.!! نعم هو من يقف أمامي.. هو من اعترف للتو بحبي ..هو ما كنت أحلم به !!
بماذا سأجيبه ؟؟ كيف سأرد عليه. تدفقت الدماء بحرارةٍ إلى وجنتيّ . اغرورقت عيناي بالدموع . بحياء أنثى لم تعرف الحب قبلاً ، بصوت منخفض قلت : أخيراً.. لم أزد شيئاً يومها . أمسك يدي بحنانٍ ، شعرت بأمانِ لم أشعر به قبل اليوم. وسرنا معاً .