أدب ونقد
د. هدى صحناوي
تحدث عن تاريخ المقالة والطورين التي مرت بهما .
يجمع مؤرخو الأدب على أن الكاتب الفرنسي ( دي مونتين ) هو رائد المقالة الحديثة في الآداب الأوروبية . ويقسمون تاريخ المقالة إلى طورين : الطور الأول : يبين المحاولات المقالية الأولى بشكلها الفج المضطرب الذي لا يحكمه أي قانون . الطور الثاني : هو تطور المقالة إلى صورتها الحديثة التي شقت طريقها نحو النضج والتكامل ، وأرست قواعدها التي أصبحت معروفة ، مما جعلها فنّا ً من فنون الأدب ينافس غيره من الأجناس الأدبية كالقصيدة والقصة والمسرحية .
تحدث عن ظهور المقالة في الأدب القديم . ( المراحل )
ظهرت جذور المقالة في الأدب القديم قبل القرن السادس عشر ، باعتبار أن المقالة تقوم على ملاحظة الحياة وتتبع ظواهرها وتأمل معانيها . هذه الظاهرة رافقت الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض ، فعبر عنها بصورة ساذجة تتسم بالبساطة والعفوية دون الاهتمام بخلق قالب فني محدد . ويمكننا أن نعد الحكم الشعبية وبعض أسفار العهد القديم كسفر ( الأمثال ) و ( الجامعة ) و سفر ( يوشع بن سيراخ ) نوعا ً من الأدب المقالي التي لا تنظمها وحدة شاملة ممثلة مرحلة أولى . ثم تأتي المرحلة الثانية التي تتمحور فيها الحكم والأمثال حول فكرة واحدة . أما المرحلة الثالثة فتنتقل من الفكرة الواحدة نحو مجموعة من الأفكار تنتظمها وحدة موضوعية وهذه الصورة الموجزة للمقالة الحديثة . وكذلك نجد تباشير المقالة في آثار الكتّاب الإغريق أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وقد امتازت بالحوار المشرق البارع والحرية في التعبير والانطلاق في الحديث ، وقد ظهرت هذه الخصائص فيما بعد في آثار ( دي مونتين ) رائد المقالة الحديثة . وفي الأدب اللاتيني نجد في آثار بعض أعلامه بذورا ً لبعض أنواع المقالة الحديثة كالمقالة النقدية والوصفية والتأملية . وتعد رسالة ( فن الشعر ) لهوراس مقالة نقدية كتبت نظما ً ، ورسائل ( بليني الأصغر ) نوعا ً من مقالات الرسائل . وفي العصور الوسطى ازدهرت المقالة التأملية الفلسفية التي فرضتها طبيعة الحياة ، والتي تتعلق بالعقيدة والدفاع عنها ومقارعة الخصوم بالحجة والبرهان . وقد ازدهر هذا الفن في عصر النهضة نتيجة الانقلاب الذي رافق هذا العصر على يد أعلام مثل ( دانتي ) و ( بترارك ) و ( ميكافيللي ) .
تحدث عن بذور المقالة في الأدب العربي القديم .
لم يخلُ أدبنا القديم من فن المقالة ، فقد ظهرت بذورها في القرن الثاني للهجرة ، حيث تمثلت في الرسائل الإخوانية التي تتضمن المسامرات والمناظرات والأوصاب . والرسائل التي تناولت موضوعات كالشعر والغزل والمديح والهجاء والوصف ، وهذه الرسائل تعكس خصائص المقالة ، وكان يمكن اعتبارها المثل البكر لفن المقالة لولا تقيدها بطابع الصنعة المتكلفة ، وترسمها هذا المبدأ في الأسلوب الإنشائي وفي الصور البديعية والبيانية . ويمكن أن نستشهد على ذلك بمثال جيد للمقالة الأخلاقية كتبها الحسن البصري عن صفات الإمام العادل : ... والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح ، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده ، وهو القائم بين الله وبين عباده ، يسمع كلام الله ويسمعهم ، وينظر إلى الله ويريهم ، وينقاد إلى الله ويقودهم )) . ويصور الحسن البصري ملامح ومزايا الإمام العادل ، أي أن هذه المقالة تتصل باتجاه الحس الأخلاقي الوعظي أشد اتصال ، وتعكس حرصه على التشخيص ، وإخراج الصورة من دائرة الرمز إلى دائرة الواقع المشرق ، لتكون أقوى دلالة وأكثر جدوى في إبراز الموعظة الحسنة . ونذكر رسالة عبد الحميد إلى الكتّاب ، هذه الرسالة تضع أسسا ً لأصول الكتابة الديوانية وأخلاق الكتاب ، وهي قريبة الشبه بالمقالة النقدية الحديثة بالشكل والمضمون . وأيضا نذكر رسالته إلى ولي العهد ، التي تدور حول ما يجب أن تكون عليه أخلاقه في سيرته الشخصية وعلاقته بأفراد الحاشية من قواد وموظفين ، وحول تنظيم الجيوش ، وهي تعتبر مقالة في السياسة وتدبير الحاشية . وتعد رسائل الجاحظ بما فيها من موضوعات متعددة وفكاهة عذبة وانطلاق في التعبير وتحرر من القيود وتدفق الأفكار وتلوين في الصور وتنوع في موسيقا العبارات نموذجا ً راقيا عن الأدب المقالي القديم . وأكثر ما يبدو الجاحظ في مقالاته التصويرية في كتابه ( البخلاء ) بعرضه لنماذج رائعة من البخل في عصره أو مخيلته بأسلوب تفرد به وحده . وفي القرن الرابع الهجري أخذت الرسائل المقالية تتجه نحو التخلف والتحجر ، ولا نجد إلا كتابا ً واحدا ً امتاز بطلاقة التعبير وغزارة المعاني وبراعة التصوير هو ( أبو حيان التوحيدي ) الذي اتسمت رسائله بالطول ، إلا أنها شديدة الشبه بالمقلات الموضوعية الحديثة كالمقالات التأملية والفلسفية والتصويرية .إن الأمثلة السابقة تدل على أن للعرب أثر في تطور هذا الفن الأدبي .
تحدث عن مقالة المجلات في القرن الثامن عشر .
لم تحقق المقالة مكانة أدبية في القرن السابع عشر لصدود الكتاب والقراء عنها ، وانحصرت فقط في الطبقة الممتازة التي تعنى بالأدب عناية خاصة . وما أن حل القرن الثامن عشر حتى بدأت تحتل مكانة هامة باعتبارها فنا ً قائما ً بذاته يكسب الكاتب شهرة وخلودا ً ، فلحق بها تطور في المحتوى ، وأخذت تتعرض إلى حياة الإنسان الخاصة ، وتحلل مظاهر الحياة المعاصرة ، وتتناولها بالنقد والتجريح . كذلك طرأ عليها تطور في الأسلوب من خلال اصطناع أسلوب إنشائي جديد وطرق مستحدثة في العرض والتحليل . وأهم كتابها ( ريتشارد ستيل – جوزيف أديسون ) . وقد ساهم تطور المجلات الأدبية في تطور المقالة ، وبدأت الصحف الحديثة بالظهور ، وساهمت في نشر المقلات السياسية والأدبية والأخبار الاجتماعية ، واستمدت موضوعاتها من الأحداث اليومية والتطورات الاجتماعية ، واتجهت اتجاها ً إصلاحيا ً تهذيبيا ً يخدم المجتمع ويحارب الآفات الضارة والخرافات الشائعة . كما ساهمت المقاهي في تطور المقالة لاجتماع الناس فيها على اختلاف أنواعهم ومناقشة شؤون حياتهم من اجتماع وأدب وسياسة واقتصاد ، الأمر الذي جعلهم يستقلون بتفكيرهم ويكونون آراءهم الخاصة في كل ما يعرض لهم . وكان لهذه المقلات خصائص من حيث المحتوى والصورة . فمن حيث المحتوى : كان يدور حول الموضوعات العامة ذات الصفات الاستمرارية الثابتة ، وتعرض للمجتمع في مختلف مراحل تطوره . ومن هذه الموضوعات ما يدور حول الصفات الخلقية كالكرم والشجاعة ، أو حول بعض العلاقات الاجتماعية كالصداقة والتربية الصالحة ، أو حول بعض الموضوعات الطارئة كالعادات والتقاليد والأزياء . أما من حيث الصورة : فكانت الصورة هي الإطار العام الذي ينظم المقالة .
تحدث عن أنواع المقالة التي ظهرت في القرن الثامن عشر .
1- المقالة الاجتماعية : ويقوم منهجها على أسلوب العرض المسهب ، والاستشهاد من الأدب القديم والحديث والكتب المقدسة ، والأسلوب الموجز الذي يكتفي بتخطيط الموضوع دون الالتفات إلى التفاصيل والشواهد .
2- المقالة النقدية : تدور حول الموضوعات الأدبية أو تتناول بعض الكتب الأدبية بالنقد والتحليل وإيراد الشواهد والشرح والتفسير .
3- الصورة الشخصية : وتعتمد على الحوار والوصف والقصص .
4- الاستشهاد بالحوادث الطارئة : لتوضيح بعض الصفات الخلقية أو نقد العلوم الاجتماعية .
5- مقالات الرسائل : وتعتمد مادتها على رسائل القراء أو على مخيلتهم ، يستغلونها لتصوير اتجاههم والتعبير عن آرائهم في مشاكل المجتمع .
6- المقالة القصصية : وتهتم بسرد القصص والحكايات الحقيقية أو المخترعة لتصوير بعض العادات أو رسم صورة للمجتمع .
تحدث عن المقالة في القرن التاسع عشر .
ظهر في هذا القرن نوع جديد من المقالة ظل متحكما بالتقليد الأدبي حتى اليوم على أيدي ( شارلس لام ) ( لي هنت ) ( دي كونسي ) ، وقد فارقت هذه المقالة مقالة القرن السابع عشر في اعتبارات عدة منها :
1- اتساع نطاق الموضوعات التي تتناولها المقالة ، وأصبحت تعتمد على مدى اتساع ثقافة الكاتب ومدى تنوع اتصاله بالحياة العامة .
2- ظهور شخصية الكاتب واضحة جلية دون توقيع باسم مستعار أو شخصية مخترعة .
3- وقد أهمل الكتاب بعض الأساليب التقليدية في صياغة المقالة ، وآثروا استقاء شواهدهم من تجاربهم الحية أو تجارب أصدقائهم ، أو من أخبار الأدب والمجتمع بأسلوب طبيعي بسيط خال من التكلف والصنعة ، وكانت مقالاتهم تعبيرا ً حرا ً عن الذات خاليا ً من أي توجيه أو التزام .
4- ازدياد طول المقالة : ويعود ذالك إلى تغير نظام المجلات ، واستطاع الكاتب عرض آرائهم وصورهم في إسهاب .
وتعود التغيرات التي لحقت بالمقالة الحديثة إلى أسباب عديدة أهمها :
1- طغيان موجة الرومانتيكية التي غيرت مفاهيم الناس وتقاليدهم في الأدب والحياة ، فداروا حول ذواتهم ونفضوا عنهم الكلاسيكية ، وجدوا في ابحث عن وسائل جديدة لاكتشاف ذواتهم والتعبير عنها . وتأثرت المقالة بهذه الموجة كما تأثر الشعر فالتقى الاثنان في هذه النقطة .
2- ظهور المجلة الأدبية التي تولى تحريرها كبار كتاب العصر ، وكانت خير تعبير عن الروح الجديدة التي شملت الأدب والحياة ، فتركت أثارا ً بارزة في المقالة الجديدة ، واجتبت إليها أعلام الكتاب بمنحهم المكافآت الضخمة ، وترك الحرية لهم لمعالجة موضوعاتهم ، إضافة إلى حرص المجلة على التجديد والإيتان بكل جديد مفيد ، مما شجع الكتاب على معالجة موضوعات طريفة لم تخطر على بال أسلافهم من الكتاب .
تحدث عن المقالة في الأدب العربي الحديث .
ارتبط تاريخ المقالة في أدبنا العربي بتاريخ الصحافة ارتباطا ً وثيقا ً ، ولم تظهر بنوعيها الذاتي والموضوعي كفن مستقل بل نشأت في حضن الصحافة وخدمت أغراضها ، وحملت إلى القراء آراء المحررين والكتاب ، ويجب أن نبين تطور المقالة في الصحف اليومية أولا ً ثم في المجلات ، مع وجود الفوارق بين هذين النوعين من المقالات ، وقد مرت المقالة التي ظهرت في الصحف بأربعة أطوار :
الطور الأول : طور المدرسة الصحفية الأولى ، ويمثلها كتاب الصحف الرسمية التي أصدرتها الدولة ، ويمتد هذا الطور حتى الثورة العربية ، وأشهر كتابها : رفاعة الطهطاوي ، محمد أنسي ، وميخائيل عبد السيد ، الذين نشروا مقالاتهم في ( الوقائع ) المصرية و ( وادي النيل ) و ( روضة الأخبار ) . وكانت المقالة بدائية فجة ، وأسلوبها أقرب إلى أساليب عصر الانحطاط الزاخر بالمحسنات البديعية والزخرفة والتكلف ، وكان موضوعها يتعلق بالشؤون السياسية والاجتماعية والتعليمية .
الطور الثاني : طور المدرسة الصحفية الثانية ، التي تأثرت بدعوة جمال الدين الأفغاني ونشأة الحزب الوطني الأول ، وبروح الثورة والاندفاع . وكان للمدرسة السورية يد لا تنكر في تطور المقالة وكان أبرز كتابها أديب اسحق ، سليم النقاش ، محمد عبده ، الكواكبي . وقد ارتبط اسمهم بتاريخ الكفاح الوطني في مصر . وخصائص هذه المدرسة تتمثل في التخلص من قيود السجع ، والاقتراب من الشعب بتأثير محمد ، وقد كتبوا في ( الأهرام ) و ( مصر ) و ( التجارة ) و ( الفلاح ) و ( الحقوق ) .
الطور الثالث : ظهرت فيه طلائع المدرسة الحديثة ومنهم علي يوسف ، مصطفى كامل ، محمد رشيد رضا ، خليل مطران ، لطفي السيد ، وقد مثل كل منهم حزبا ً من الأحزاب المناهضة من الاحتلال الانكليزي وللأتراك . مثال : لطفي السيد الذي يمثل حزب الأمة ، وقد نشر أفكاره السياسية والثقافية على صفحات الجريدة التي حملت دعوة للتجديد والبعث على أساس العلم الحديث ، وعنيت بشؤون التربية والتعليم والسياسة النظرية وتمثيل النزعات الأدبية ، وقد خرجت العديد من الكتاب الذين قادوا الحركة الأدبية الاجتماعية ، مثل عبد الرحمن شكري ، عبد الحميد الزهراوي ، محمد السباعي ، طه حسين ، إبراهيم المازني ، العقاد ، ملك حفني ناصيف . وقد كانت المقالة أقرب إلى الخطبة السياسية منها إلى المقالة الهادئة المتزنة ، بسبب الاتجاه السياسي القوي لهذه الصحف . وقد خطت هذه المقالة بالأسلوب الأدبي خطوات كبيرة ، فخلصته من الصنعة والسجع ، فغدا حرا ً طليقا ً مشبعا ً بالأفكار والمعاني .
الطور الرابع : المدرسة الحديثة ( من الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث جسام أهمها الثورة المصرية الأولى 1919م ) ، وقد تركت الصحف في هذه الفترة أثرها على الحياة الأدبية عامة ، وفي المقالة خاصة ، مثل جريدة ( السفور ) ، ( الوجديات ) ، ثم صحف الثورة والأحزاب مثل ( الاستقلال ) ، ثم الصحف الحزبية والمستقلة مثل ( المصري ) و ( صوت الأمة ) . وكان أثر الصحف في المقالة محصورا ً في نطاق المقالة السياسية . وقد امتازت المقالة بالتركيز ، والدقة العلمية ، والميل إلى بث الثقافة العامة ، وأسلوبها هو الأسلوب الحديث . أما بالنسبة للمجلات فقد كان للبنانيين ورجل المدرسة السورية أثر في نشأة المجلة العربية وتطورها مثل ( الجنان ) التي وضعت الأسس التي سارت على نهجها المجلات بعدها ، وساهموا في هذا المجال ليس فقط في لبنان بل في مصر أيضا ً ، فقد تنبه المصريون إلى أهمية المجلات في إنضاج بذور الوعي القومي في نفوس المصريين وشهدت إقبالا ً كبيرا ً عليها واتسمت بالتخصيص ، وهناك بعض المجلات التي عنيت بالمقالة الأدبية ، أهمها الزهراء ، الناقد ، الثقافة ، الكاتب المصري ...الخ . مما تقدم يتبين لنا أثر الصحف اليومية في تطور المقالة الأدبية ، إلا أن أثر المجلة أعظم بسبب حجمها ومواعيد صدورها ، حيث تحتمل من الجد والإسهاب أكثر مما تحتمل الصحيفة اليومية ، إلى جانب أن غاية الصحيفة اليومية سياسية على حين كانت عناية المجلة بالثقافة والأدب بالدرجة الأولى . مثالها مجلة المقتطف التي اهتمت في البداية بالأبحاث العلمية ثم حدث فيها التوازن بين العلم والأدب وكذلك الهلال التي مالت فيها بعد إلى التنويع . وقد سارت الصحف والمجلات سيرتها في مصر ولبنان هذان القطران اللذان لا يزالان عنوان النهضة الأدبية الحديثة .
ونستطيع أن نوجز أثر المجلة في تطوير المقالة بما يلي :
1- تطويع اللغة وتهذيب أسلوب الكتابة بحيث نستطيع نقل الأفكار الحديثة .
2- اتساع صفحاتها لنشر مختلف أنواع المقالة من ذاتيتها وموضوعيتها .
3- خلق طبقة من الكتاب اللذين اهتموا بفن المقالة وجعلوها الوسيلة الأولى لنقل أفكارهم وأرائهم كأعلام المدرسة الأوروبية الحديثة في مصر ولبنان .
تحدث عن أقسام المقالة الحديثة .
تقسم المقالة الحديثة إلى : 1- المقالة الذاتية ، 2- المقالة الموضوعية . ومن المعروف أنه لا توجد حدود فاصلة تماما ً بين هذين النوعين ، ولكن التمييز بينهما هو مقدار ما يبثه الكاتب فيهما من عناصر شخصية . فالمقالة الذاتية تعنى بإبراز شخصية الكاتب بأسلوب أدبي يثير العاطفة والانفعال ، ويعتمد على الصور البيانية والعبارات الموسيقية والألفاظ القوية ، كمقالات المازني في أدبنا . والمقالة الموضوعية تدور حول موضوع معين يعنى الكاتب بتوضيحه ، مستعينا ً بأسلوب علمي واضح ودقيق ، يستبعد شخصية الكاتب وعاطفته ويحافظ على منطق البحث الخاص القائم على المقدمة والعرض والخاتمة .
المقالة الذاتية : تحتفظ المقالة الذاتية لنفسها بقيم أدبية خاصة ، يصطنع كاتبها النثر الفني وسيلة للتعبير عن إحساسه بالحياة وتجربته فيها . ومن شروطها :
1- الابتعاد عن المنطق والتكلف وعن افتعال الترتيب .
2- عدم تورط الكاتب في الإسراف في الوعظ والإرشاد .
3- الإمتاع في ذاتها .
4- الابتعاد عن الجدل والنقاش ، لأن ذلك يعرض الحقائق إلى منطق الكاتب الخاص .
5- التعبير عن تجربة حيوية تمرس فيها الكاتب واكتوى بجمرها .
6- عدم النظر إلى الحياة نظرة جادة بل لمحها بعين ساخرة متسامحة ، وبذلك تبرز معالم شخصية الكاتب في التعبير عن نفسه بصدق .
تحدث عن أنواع المقالة الذاتية .
1- الصورة الشخصية : هي تعبير فني صادق عن تجارب الكاتب وانعكاس الحياة عليه ، وهي ضرب من الحديث الشخصي والمسامرة والاعتراف والبوح ، وتتسم بالسخرية الحادة والناعمة تبعا ً لشخصية الكاتب يمثلها في أدبنا : المازني ، العقاد ، مي زيادة ، نعيمة ، محمد السباعي .
2- مقالة النقد الاجتماعي : تدور حول نقد العادات والتقاليد البالية في مجتمع ما ، وحول الصراع بين القديم والجديد ، بين التمسك بالتقاليد والنزوح إلى التجديد والتغيير . وتعتمد هذه المقالة على الملاحظة الدقيقة ، وإجادة التحليل ، والاتزان في الحكم ، وعمق التأمل ، وبراعة التهكم و السخرية . وقد عالج أدباؤنا قضية القديم والجديد والصراع بينهما ، كما في مقالات المازني وطه حسين والعقاد والرافعي . حيث يتحيز أحدهم للقديم فيرد عليه الآخر مبطلا ً دعواه على صفحات المجلات والصحف ، وخير مثال عليه مقالة ( سلطة الآباء ) لأحمد أمين ، حيث يتحدث عن زمن التسلط الأبوي على الأبناء وعلى جميع شؤون الأسرة ، ثم ينتقل إلى الحديث عن الزمان الذي تبدلت فيه الأدوار فأصبح الآباء مرؤوسين والأبناء رؤساء . كما تعرض لمشكلة الزواج العصري والزواج القديم بأسلوب ساخر ، ثم حياة الأسرة الجديدة .
3- المقالة الوصفية : يدور محور هذه المقالة حول العلاقة بين الكاتب والطبيعة ، حيث يقوم الوصف الرشيق بالتعبير عن أحاسيس الكاتب . وغايتها الأولى تصوير بيئة الكاتب كما تتراءى لإحساسه وبصيرته ، وامتزاجه بها هو ما يبتعد به عن المقالة العلمية ، ومثالها ( من وحي البحر) لأحمد أمين ، ( الصخور ) لميخائيل نعيمة ، ( الربيع ) للرافعي .
4- وصف الرحلات : الرحلة تجربة إنسانية حية ، يتمرس بها الأديب ويتعرف على دقائقها وخفاياها ، فيخرج منها بملاحظة صادقة وثقافة غنية ، لذلك تتطلب من المقالي أن يكون ذا عقل مرن سريع التأثر والتكيف ، وإدراك معاني المرئيات ، وتقديم مشاهداته بصورة حساسة بارعة التصوير ، الأمر الذي يساهم في زيادة متعة القارئ ومحاولة إعادة تشكيل التجربة التي مر بها الكاتب ، ويمثلها في أدبنا ( رحلة ) لأحمد أمين ، ( غدا ً تنتهي الحرب ) لميخائيل نعيمة ، ( في الزورق ) للعقاد .
5- مقالة السيرة : تصور موقفا ً إنسانيا ً خاص من شخصية إنسانية ، يعكس لنا الكاتب فيها انطباعاته الخاصة عنها وتأثره بها ، محاولا ً تخطيط معالمها الإنسانية اعتمادا ً على التنسيق والاختيار ، بحيث تبدو لنا الشخصية حية متحركة ، وتعرض مقالة السيرة حياة متكاملة للشخصية تعنى بالجزئيات ، وتبرز مختلف الملامح والقسمات . مثالها ( شخصية عرفتها ) و ( الشيخ مصطفى ) لأحمد أمين ، ( قاسم أمين الفنان ) للعقاد ، و ( طه حسين ) و ( العقاد والمازني ) لتيمور .
6- المقالة التأملية : تعرض هذه المقالة لمشكلات الحياة والكون والنفس الإنسانية ، وفق وجهة نظر الكاتب وتفسيره الخاص للظواهر التي تحيط به ، وخير من يمثلها في أدبنا ميخائيل نعيمة المعروف بصوفيته العميقة ، والذي كشف من خلال مقالاته عن روح الشرق ، ونبه إلى خصائصه الروحية والفكرية ، كمقالة ( البيادر ) وهناك مقالة ( فلسفة المصائب ) و ( نظرة في الكون و ( الحظ ) لأحمد أمين .
تحدث عن المقالة الموضوعية .
شاع شأن المقالة الموضوعية بانتشار المجلات والصحف ، وشملت جميع فروع العلوم ، وغلب عليها منهج البحث العلمي الذي يقتضي جمع المادة وترتيبها وتنسيقها وعرضها بأسلوب واضح جلي ، وتحدد خطة المقالة الموضوعية بما يلي :
• المقدمة : تتألف من معارف مسلم بها ولها صلة بالموضوع .
• العرض : وهي الطريقة التي يقدم بها الكاتب الموضوع ، حيث يقدم الأهم على المهم ، مدعوما ً بالبراهين أو الاقتباس وصولا ً إلى الخاتمة .
• الخاتمة : وهي نتيجة طبيعية للمقدمة والعرض ، وتلخص أهم النتائج التي توصل إليها الكاتب .
تحدث عن أنواع المقالة الموضوعية .
1- المقالة النقدية : وهي تتناول بعض الموضوعات الأدبية بالنقد والتحليل ، وتعتمد على قدرة الكاتب على تذوق الأثر الأدبي ثم تعليل الأحكام وتفسيرها وتقويم الأثر الفني . ومن كتابها : العقاد ، المازني ، طه حسين ، أحمد أمين .
2- المقالة الفلسفية : وهي تعنى بالمواضيع الفلسفية تحليلا ً وتفسيرا ً ، حيث يعرض الكاتب مادته بدقة ووضوح حتى لا يضل القارئ في شعاب الموضوع . من كتابها أحمد لطفي السيد ، زكي نجيب محفوظ .
3- المقالة التاريخية : تعتمد على جمع الروايات والأخبار والحقائق وتمحيصها وتفسيرها وعرضها ، ويجب أن يكون الكاتب موضوعيا ً لا يتدخل في سير الأحداث .
4- المقالة العلمية : وفيها يعرض الكاتب نظرية علمية أو مشكلة عرضا ً موضوعيا ً بحتا ً في مجال التخصص ، أو عرضا ً ممتزجا ً بالذات لمن يريدون تبسيط العلوم ونشرها بين القراء , من كتابها د . يعقوب صروف ، د . أحمد زكي .
5- مقالات العلوم الاجتماعية : وتتعرض هذه المقالات لشؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع بشكل موضوعي يعتمد على الإحصاء والمقارنة والتحليل والتعليل وأحيانا ً التنبؤ . وتقوم خطتها على تصميم محكم وتنسيق دقيق وأسلوب واضح خال من الحشو والاستطراد يعتمد على المصطلحات العلمية المتداولة بين أصحاب الاختصاص .
تحدث عن الصورة الفنية ووظائفها .
الصورة الشعرية وسيلة من وسائل نقل التجارب الإنسانية الخاصة والعامة ، حيث يشترك المحيط الخارجي والمحيط الداخلي ( الذات ) في تكوينها ، مما يسمح بالتعبير عن التجربة الإنسانية . يتم ذلك عن طريق المقارنة بين حقيقتين متباعدتين أو جمع حقائق متناقضة في جملة شعرية واحدة . ويلجأ الشاعر إلى الصورة لأنها ترتقي في التعبير عن اللغة العادية التي تعجز عن التعبير بما يحس به ، ولأنها تتوسل بالخيال لإثارة الإحساسات الغامضة . وتؤكد الآراء النقدية المعاصرة أن قوة الصورة الشعرية تكمن في جمعها للحقائق المتباعدة عن بعضها أو المتناقضة ، حيث تكتسب الصورة قدرة تأثير أعمق وشاعرية أبين . ولو تتبعنا مفهوم الصورة الشعرية في ظل المدارس النقدية لوجدنا أنها تأخذ لنفسها مسارات خاضعة لكل مذهب نقدي .
الصورة في ضوء المذهب الكلاسيكي .
نجد لغة الشعر في المذهب الكلاسيكي لغة العقل ، لا لغة العواطف والانفعالات والدوافع الفردية والخيال . وأهم صفاتها :
1- مادة الصورة الشعرية مستمدة من الواقع وبعيدة عن الأمور الروحية والمعنوية والخيالية والعواطف والانفعالات .
2- الصورة الشعرية تقليدية ، بمعنى أنها تعتمد على القوالب الجاهزة الجامدة ، وفي حضورها تختفي علامة الإلهام .
3- لا تتغير الصورة الشعرية بتغير الزمان والمكان وتطور الحياة الإنسانية ، بل تبقى ضمن حدود معينة .
4- تهتم بالزخرفة والمحسنات البديعية والبلاغية اللفظية .
فالصورة الكلاسيكية تهتم بالألفاظ الحسية لإثارة ذهن المتلقي ، خاصة فيما يتعلق بالرؤية الخارجية للأشياء ، وتبتعد عن الرؤية التخيلية التي لا تمس العالم الداخلي الموضوعي ، فالبحر لا يمكن أن يصور إلا بلون أزرق ، مما يفقد الصورة حيويتها وجماليتها باعتمادها على الصور الجاهزة والمكررة .
تحدث عن الصورة في المذهب الرومانسي .
المذهب الرومانسي وسيلة للتعبير عن الذات ، فقد هرب شعراء الرومانسية من الواقع المؤلم إلى تصوير مشاعرهم وآلامهم في ظل الطبيعة والحب معتمدين الخيال المجنح ، فالخيال هو الذي يولد الصور التي تجسد المشاعر والأفكار ، لارتباطه بالأحلام التي تشكل جزءا ً من شخصية الإنسان الرومانسي ، ويعتقد ( كولردج ) أن خلق الأحلام يشابه نشأة الخيال ، فنحن لا نناقش صحة الأحلام أو عدم صحتها ، إلا أن ( كولردج ) يعطي الخيال رسوخا ً ومعقولية وانتظاما ً أكثر من الأحلام المشتتة . أما صفات الصورة في المذهب الرومانسي :
1- الصورة الرومانسية تقوم على مبدأ تداعي الأفكار لأنها وليدة اللحظة ذاتها ، ولا تعتمد على وعي وإدراك مسبق ، بل ينطلق الشاعر حرا ً في تكوين صوره .
2- تمثل الصورة الرومانسية المشاعر والأفكار الذاتية التي تناظر الطبيعة والحالات النفسية .
3- الصورة وسيلة لكسر التقليد الأعمى ، وتمثل المشاعر الداخلية بالأحياء ، وهو أبرز خصائص الصورة الرومانسية التي تتسم بالغموض والغرابة واللامحدودية ، لأنها تمتلك عددا ً لا محدودا ً من المعاني .
4- تمثل الصورة الرومانسية التجربة الشخصية لكل شاعر .
5- الصورة الرومانسية صورة شعرية لا عقلية ، وتشكل كل صورة عضوا ً حيا ً في بنية القصيدة ، يجعلها تنمو نموا ً داخليا ً ، ويعبر عنها الرومانسيون بلغة سهلة موحية بعيدا ً عن الدلالات المباشرة للألفاظ ، ويفضلون التراكيب غير المألوفة التي تحرك المعاني .
تحدث عن الصورة في المذهب الواقعي .
تسعى الصورة في الأدب الواقعي إلى تصوير الواقع وكشف أسراره وتفسيره ، تحت نظرة سوداوية ترى الواقع من كل جوانبه . والصورة الواقعية صورة نقلية عن الواقع الحي دون تدخل الكاتب ، وهي حريصة على تسجيل دقائق الوقائع بكاملها ، وهي صورة محسوسة مجردة من الزخرفة ، بعيدة عن الخيال و العواطف والانفعالات .
تحدث عن الصورة في المذهب البرناسي .
قامت فلسفة المذهب البرناسي على مبدأ الفن للفن ، واتخذت لها منطلقين : 1- المثالية الجمالية , 2- الواقعية التجريبية .
يعني المنطق الأول أن المتعة الفنية تأتي من الجمالية ، أي أن نحس بمتعة الجمال دون غاية ، لذلك دعا البرناسيون إلى وجوب استقلال الشعر عن كل غاية . أما المنطلق الثاني فهو الفلسفة التجريبية الواقعية ، وتعني أن معرفة الحقائق لا تقوم إلا على أساس علمي تجريبي . وقد اعتن البرناسية بالصورة عناية فائقة ، وحاولت إظهار الجمالية الفنية للأفكار الفلسفية ولجأت إلى التجسيم في الصورة ، فربطت بين الشعر والفنون التشكيلية . وقد استخدم البرناسيون الصورة التجسيدية للتعبير عن المشاعر الخاصة ، وعملوا على خلق صور وأخيلة فنية جميلة في ذاتها .
تحدث عن الصورة في المذهب الرمزي .
تعني الرمزية استثمار الرموز في التعبير عن العواطف والأفكار بالإشارة والتلميح . وتتسم الرمزية بالغموض والإيحاء ، وتعتمد الخيال من أجل التعبير بالصورة عن المشكلات الإنسانية والأخلاقية ، إلا أنها تبتعد عن وقائع الحياة العادية . وتتخذ الصورة الرمزية من الشخصيات التاريخية رموزا ً مثيرة تحتمل دلالات عميقة لتجارب الرمزيين الشعرية ، وهي تنقل الصورة في إطار فني وجمالي يحمل طاقات وإيحاءات رمزية تدل على موضوع آخر من ورائها . ويساند الصورة الرمزية في توصيل الدلالات إلى المتلقي عنصر الموسيقى الشعرية القادرة على الوصول إلى أعماق النفس ، إضافة إلى معطيات الحواس التي تتبادلها الأماكن فيما بينها . وتنبع الصورة من شكلها الحسي الذي يقربها من ذهن المتلقي .
تحدث عن وظائف الصورة .
في مسألة وظائف الصورة درسنا موضوعا ً واحدا ً هو الاستعارة ، من وجه إبداعي يساهم في تحديد وظائفها . فالاستعارة هي نقل العبارة من موضع استعمالها في أصل اللغة إلى غيره ، أو أن يستعار للشيء اسم غيره أو معنى سواه ، وهي تقوم على طرفين مشبه ومشبه به ، يحذف أحدهما فيحدد نوعيها : الاستعارة المكنية : بحذف المشبه .- . الاستعارة التصريحية : بحذف المشبه والتصريح بالمشبه به . ولا بد أن يكون بين طرفي الاستعارة ربط يتم عن طريق الاتحاد بينهما . وتتصف الاستعارة بصفتين هما التشخيص والتجسيد : التشخيص : هو إطفاء الروح على المحسوسات وتحويلها إلى كائن حي ، فالمعنوي يمر بمرحلة أولى وهي منحه صفة حسية ، ثم نضيف إليه روحا ً أو حركة في المرحلة الثانية مثل ( غضبت السماء ) . أما التجسيد : يعني إلباس المعنوي جسدا ً ، أي منح المعنوي صفة حسية مثال ( رأيت المنايا خبط عشواء ) .
وظائفها :
1- الوظيفة العاطفية : تتمحور هذه الوظيفة حول المعاناة التي يعيشها الشاعر ضمن حدود العلاقات الاقتصادية والاجتماعية قديما ً وحديثا ً. – عطف : مال . – عطف عليه : أشفق . – تعاطفوا : عطف بعضهم على بعض . فالعاطفة تفاعل بين الفرد والمجتمع من جهة ، وبين الفرد والكون والطبيعة من جهة أخرى ، كل هذه الأمور تحدث فينا نوعا ً من التأثير . قال أرسطو في تعريف المأساة : هي محاكاة فعل نبيل تام تثير فينا عاطفتي الخوف والشفقة وتدعو إلى التطهير منها . وكانت الاستعارة صيغة عبرت عن عواطف الشاعر العربي متجسدة في التشخيص لتترك فسحة يهرب منها الشاعر إلى عالم أوسع يخلص فيه من سطوة الرقيب ، وهو الوازع الاجتماعي . وهنا يقول الشاعر : ( وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري ) فتشخيص البعير أضفى عليه طابعا ً إنسانيا ً من أجل إحداث التوازن بين حاله وبين حال الحيوان في رحلة المساواة بين الطرفين . وقد امتدت الجذور القديمة إلى الشعر العربي المعاصر ، فانجر إليه الشاعر بحكم ارتباطه بالماضي عن طريق الإبداع الاستعاري بعدة طرق هي : 1- التداعيات التاريخية .-2- الواقع السياسي .-3- الواقع الاجتماعي . -4- الواقع الاقتصادي .
أولا ً : التداعيات التاريخية : يمثل الماضي للإنسان شيئا ً عظيما ً يجعلنا حذرين في التعامل معه وتقليده . ومن الإسقاطات التاريخية التي جسدها الشاعر عبر التشخيص في استعارات المدن العربية قول الشاعر بيان الصفدي : بغداد تفتح صدرها وتجيء أفواج الصحاة المتعبين . – ها نحن أيتها القدس نقف أمام صخرتك يتامى . فقد جسد الشاعر المدن العربية بامرأة تفتح صدرها مرة ، ومخاطبة مرة أخرى . فالعاطفة موزعة بين صورة الأنثى والمدينة التي تستوعب الأرض ، وهي الأم الكبرى للجميع فالرمز التاريخي يصبح ملاذا ً يلجأ إليه الشاعر من حال الضياع ، كما يهرب الطفل إلى حضن أمه في حال الخوف .
ثانيا ً : الواقع السياسي : وتطرح الاستعارة من وجه سلبي بسبب التداعي الذي تعاني منه الأمة العربية ، فنسمع نزار قباني إلى لحظته الراهنة فيقول : يا وطني الحزين حولتني بلحظة من شاعر يكتب شعر الحب والحنين إلى شاعر يكتب بالسكين . فقد حول الحزن والوطن والأرض إلى شخص ليرصد عن طريق الاستعارة جوانب السلب والاهتراء والتعفن في حياتنا .
ثالثا ً : الواقع الاجتماعي : يمثل معاناة الشاعر أثناء انسجامه مع الآخرين ، فهو يحمل هموم الناس ويعيد توازن العالم فيطبع عاطفته فينا بعد أن يستلهم عواطفنا .
العاطفة الجنسية :
تحمل هذه المسألة خصوصة في اللغة ، وقد ردها الباحثون إلى أصول جنسية بجعل المذكر أصلا ً والمؤنث فرعا ً . إن شعر الغزل يؤثر فينا لأنه يعالج مسألة خاصة تتحكم بها غريزة فيزيولوجية ، وتحد منها عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ، وأبرز دليل على ذلك عمر بن أبي ربيعة الذي يتعرض للحاجات فلا يردعه الحاكم بل يهدر دم الشعراء العذريين . في البدء كانت الأنثى أقرب إلى الشاعر ، فيخاطب العذراء بلفظ أم رمز الخصب ، ويلجأ إلى ابنته وقت الشدة . ( كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب وليل ٍ أقاسيه بطيء الكواكب ) ولكن الشاعر الحديث لم يتخلص من مخلفات الماضي ، فهذا نزار يقتفي أثر ابن أبي ربيعة فيبدو زير نساء ، من خلال استعارات تجعله يملك زمام المبادرة فيبدو كفارس منتصر : ( وصرخت محتدما ً قفي والريح تمضغ معطفي والذل يكسو موقفي .
العاطفة النفسية :
وتمثل الحالات النفسية التي تعتري الإنسان من فرح وملل وحزن وغضب ، حيث يعكس حالته النفسية على المتلقي عبر الوظيفة الاستعارية في إظهار هذه العاطفة ، مثال على الملل : ( تطاول حتى قلت ليس بمنقض ٍ وليس الذي يرعى النجوم بآئب ) وقد طور الشاعر الحديث الاستعارات السابقة عبر الحذف ( ناداهم البرق فاجتازوه وانهمروا عند الشهيد تلاقى الله والبشر ) حيث حذف السيف وثبت مكانه البرق دلالة الغضب . أو قلب المفاهيم أمام الطبيعة ، حيث يتجاوز الشاعر مدلول الكلمة المتعارف عليها ، إلى مدلول أرقى يعكس الحالة النفسية المتطورة عند الشاعر . فالرياح في الشعر القديم تدمر وتهدم وتجعل الإنسان عاجزا ً أما جبروتها ، إلا أنها في الشعر المعاصر تصبح مثالا ً للقسوة والمنعة والقداسة ، يفرضها الواقع المتغير نحو الإيجاب ، فانفعل به الشاعر ونقل انفعاله إلى المتلقي ( تقدس المطر المجدول صاعقة وزنبقا ً يا شموخ الأرض يا مطر )
2- الوظيفة الإعلامية :
هي المنبر الذي يصدر الحقائق والأنباء ويوضحها ويوصلها إلى الجماهير بعد أن كنت وقفا ً على أشخاص معينين ، أي هي أداة تواصل وتفاعل بينها وبين الشعب . وفي الشعر القديم كان الدافع الأساسي للوظيفة الإعلامية قبليا ً ، فإذا أراد الشاعر مدح أحد أظهره كريما ً شجاعا ً ، وإذا أراد ذمه أظهره بخيلا ً جبانا ً .كهجاء الحطيئة للزبرقان بقوله : ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ) . وفي العصر الأموي أضيف دافع آخر هو الدافع السياسي ويمثل المفهوم السياسي الفرزدق في قوله مادحا ً زين العابدين : ( هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم ) .
وفي العصر الحديث انصرفت الوظيفة الإعلامية إلى التوجه القومي ، كون الأمة العربية تعاني التمزق والتجزئة ، فكان منهج الاستعارة يتمحور حول الأمور التالية : أولا ً: الإبداع الاستعاري الذي يعالج التخلف والتجزئة . كقول بدوي الجبل ( لفني والدجى على هذه الصحراء سحر منمنم مجهول لفني والدجى فافنى كلينا سعة من جلال وشمول ) فالوظيفة الإعلامية تتمحور حول كلمة واحدة تدل على الوحدة وهي الصحراء العربية ، ويأتي السحر ليحتوي الليل والصحراء والشاعر ، ويندمج الثلاثة في التأمل والسعة ، ويتحدون في رمز الأمة العربية غير المجزأة . ثانيا ً: الإبداع الاستعاري الموجه إلى قضية العرب المركزية ( فلسطين ) : تناول شعراء القضية الفلسطينية بشيء من المباشرة والتقريرية ، إلا أن الشاعر أسعد علي عالجها بعمق ، مستفيدا ً من الأجواء النفسية التي تعيشها الأمة العربية ، والأجواء الصوفية التي يعيشها هو ، فينطلق من الحزن الآمل ، أي الحالة التي آلت إليها الأمة العربية بعد اغتصاب فلسطين ، ويولي عمق الأشياء الداخلية عنايته ، ليصل إلى الأمل المفتوح يقول ( لماذا الحزن أيتها الحزينة وما حركت في أعماق السكينة أأحزنك الخلاف على التراب وتشريد الشعوب بلا حساب فلسطين الخيام من العذاب أحبك رغم ذلك أن تغني لعل رسالة الإنسان تنصر بجامعة التطلع نحو أنظر . ثالثا ً : الإبداع الاستعماري الرمزي الموجه إلى نقد الحكومات العربية . كقول نزار قباني ( عندما تبدأ البنادق بالعزف تموت القصائد العصماء مالنا نلوم حزيران وفي الإثم كلنا شركاء ) يتحدث الشاعر هنا عن نكسة حزيران والعمل الفدائي ، ولكنه لا ينتقد الحكام العرب مباشرة . فعندما تعزف البنادق ( العمل الفدائي ) تموت القصائد العصماء ( أي قصائد المدح للحكام ) . فإذا أردنا أن نلوم حزيران ، فالأولى أن نلوم الحكام العرب ، وقد لجأ إلى هذا المعنى باستخدام الرمز ( كلنا شركاء ) .
3- الوظيفة الجمالية :
تهدف هذه الوظيفة إلى إشاعة جو من المتعة والارتياح النفسي لدى المتلقي ، وقد جعل القدماء وظيفة الاستعارة التحسين والتزيين ، وجعلوا لها الفضل في تصوير عاطفة الشاعر والتأثير في المتلقي . أما أرسطو فقد أطلق على الاستعارة لفظ ( السحر ) وذلك لما تحويه من طاقات موحية مدهشة . فالصور الاستعارية المثيرة للجمال هي وليدة العاطفة ووليدة الفكر والملكة الفنية للمبدع ، وأجمل الصور تلك الصورة التي تلبس ثوب الغرابة والجدة ، فتمور بالحركة والصفات الإنسانية . وفي الشعر الحديث تطغى الوظيفة الجمالية ، فتقدم لوحة مزخرفة تتحد مع الوظائف الأخرى لإثارة الجمال ، والتأثير المباشر عند المتلقي . وتأكيدا ً لكلامنا ، هذه قصيدة لأحمد الأحمد بعنوان ( أرواد ) : يا شمسا ً تتفتت فوق الشطآن رمالا ً يا نغما ً يتساقط من نغمة شعري رطبا ً وغلالا ً فهذه لوحة رسمها الشاعر لأرواد ، تصور هذا المكان برماله الذهبية ، وهي نغم حلو ، وهي غيم مزخرف منقوش ... وقد اعتمدت هذه القصيدة هذه القصيدة على صفات حسية جمالية فأثرت فينا السحر والمتعة . وقد تتحد الوظيفة الجمالية بالوظائف الأخرى . والمثال على ذلك اتحاد الوظيفة الجمالية بالوظيفة الإعلامية في قول الشاعر بيان الصفدي : ( الآن أبصر شلال دم والساحة والريف النائم ) حيث صور الشاعر معاني الرفض والاستكانة للواقع ، وانبعاث الحياة من قلب الموت لإعلان الثورة ، فطغت الوظيفة الإعلامية على الوظيفة الجمالية . أما سليمان العيسى فقد أقام توازنا ً بين الوظيفة الإعلامية والجمالية والعاطفية من خلال استعاراته المعبرة عن فرحة انتصار تشرين . يقول ( ناداهم البرق فاجتازوه وانهمروا عند الشهيد تلاقى الله والبشر ناداهم الموت فاختاروه أغنية حمراء ما مسها عود ولا وتر تقدس المطر المجدول صاعقة وزنبقا ً يا شموخ الأرض يا مطر ) فالوظيفة الجمالية للاستعارة تكسوها ثوبا ً جماليا ً قادرا ً على التعبير عن عواطف الشاعر وانفعالاته وأفكاره ، فيخلق في نفوس المتذوقين تأثيرا ً يدوم إشعاعه بفضل الطاقة الموحية والمتعة للاستعارة .
تحدث عن الرمز في الشعر السوري المعاصر .
اعتمدت الصورة في الشعر المعاصر على الرمز التاريخي بكثرة وهو رمز واضح المعالم ، مشهور ، ويقسم إلى قسمين إما ( أسماء أشخاص ) أو ( أسماء مدن ) . والرمز التاريخي هو ماضٍ طواه الزمن إن كان شخصا ً ، أو ماضٍ يمتد إلى الحاضر إن كان مدينة . وقد تهافت الشعراء السوريون على الرمز التاريخي لأسباب عديدة منها :
1- محاولة الشاعر تذكير العرب بعظمتهم ، وقد حاول الرمزيون نقل الواقع من مستواه إلى مستوى أعلى عن طريق الالتزام القومي والغربة واليأس والتردد والغموض .
2- الرمز موجود في نفس كل عربي ، فعلي والحسين وخالد ودمشق وطنجة تكثيف لكل عربي وتعويض عن فقدان شيء وحال التداعي التي نمر فيها .
3- الرمز التاريخي هو الذي استطاع أن يتحدى الزمن ويصل إلينا دون سواه ، فكأنه يعيش في الماضي والحاضر والمستقبل .
4- قدرة الرمز التاريخي على تجاوز الواقع تجعله يدخل في الإبداع الاستعاري .
وأكثر الشعراء قدرة على استيعاب الرموز التاريخية واحتوائها الشاعر أدونيس الذي حاول أن يمزج بين الشخصية القديمة بصفتها الامتدادية والمدينة العربية : ( رجع القول إلى ثمود خرجت من أصداف ألمي وجاءت في الليل ) فقد جعل الشاعر الرمز يحل من شيء يقدمه لنا على أساس الحضور . فالماضي الدفين الذي يشمل الظلمة ، والبعد يمثل البحر . وثمود تمثل الحضارة والنور في خروجها من الماضي وحلولها في أصداف البحر . وقوله ( يجلس الهدهد في حضن سليمان سليمان ابتهال يتقرى جسد الغيب وبلقيس عرار وقناديل وسحر عربي ) إن سليمان الرمز هو ماضٍ ، لكنه يحل في ابتهال ، والابتهال دائم الحضور فينا . أما بلقيس فهي العرار بذاتها : أي الرمز إلى الأصالة حيث تكرر هذه الكلمة عند الأقدمين . .. وقد يتداخل الزمان والمكان في الاستعارة حيث تقابل كل استعارة معنى خاصا ً يعبر من الزمن إلى التاريخ عن طريق الرمز الذي يكون جسرا ً بين الزمان والمكان ، وخير من يمثل هذا الرمز نزار قباني : ( في مرفأ عينيك الأزرق أمطار من ضوء مسموع وشموس دائخة وقلوع ترسم رحلتها للمطلق ) إسبانيا : شبه جزيرة تحيطها المياه فيختارها الشاعر مرفأ له . الشمس الدائخة : يختارها رمزا ً للأفول العربي . ترسم رحلتها للمطلق : ترمز إلى الضياع الأبدي لإسبانيا . الأمطار : تتحول إلى ضوء مسموع لأن الحضارة العربية تحولت من واقع ( ضوء ) أي من معرفة وحضارة وفعل إلى سماع بعد خروج العرب من إسبانيا . العينان الزرقاوان : ذلك اللون المقتصر على العيون الأوروبية فقط يرمز إلى المزيج المركب من العرب والإفرنج . البكاء : يقابل المطر وينقسم إلى قسمين : الدموع وهي الندم ، والسماء وهي الحضارة العربية الماضية ...( في مرفأ عينيك الأزرق شباك بحري مفتوح وطيور في الأبعاد تلوح تبحث عن جزر لم تخلق ) المحور الأساس هو المرفأ حيث يكرره الشاعر عدة مرات . المرفأ يقابل الجزيرة . والعينان دلالة على البصر والفكر ، ثم يخرج
الشاعر إلى التاريخ وسقوطه في الزمان حيث الامتداد اللامتناهي في البحر والانفتاح غير المحدد . أما الطيور التي تطير في المطلق فتذكرنا بموقف قديم بحث فيه الإنسان عن المعرفة بعد الضياع ، ذلك هو الهدهد الذي طار ورجع بالخبر اليقين في قصة سيلمان الحكيم عليه السلام . ( في مرفأ عينيك الأزرق يتساقط ثلج في تموز ومراكب حبلى بالفيروز أغرقت البحر ولم تغرق ) إن تجمع الأضداد يحتويه مكان يشمل الزمان . حبلى بالفيروز : الحمل حركة داخلية وفيها يستوعب الزمان والمكان . أغرقت البحر : تذكرنا بالإرادة العربية يوم إغراق طارق بن زياد السفن وقرر أن يدخل إسبانيا تلك الجزيرة الجيدة بأسرارها على العرب . نرى الرمز في القصيدة السابقة استوعب تداخل الزمان بالمكان بالاعتماد على الاستعارة والمقالات التاريخية . إن الشعراء الكبار استطاعوا أن يستوعبوا الرمز في قصائدهم بطرق مختلفة فهم لم يأخذوا الرمز لكونه ماضيا ً بل لأنه حاضر يستبق عوالمنا إلى مستقبل أفضل .
تحدث عن الظاهرة اللونية في الشعر .
اللون كشف معرفي وروحي وجمالي ، يسعى لاستدراج أغوار النفس الإنسانية إلى عالم الظهور ، وهو بنية أساسية في القصيدة العربية شكلا ً ومضمونا ً بما تحمل من عناصر جمالية ودلالية تغطي الأبعاد الفنية والحياتية ، وكان لابد من الرجوع إلى التراث لمعرفة تطور دلالته ووظيفته المعرفية والجمالية . ولعل أول دراسة للألوان كانت للمسعودي في كتابه ( مروج الذهب ) حيث تحدث عن ابتكار الأمم السابقة في تقاسيم الجيش بالرجوع إلى الألوان : الأسود والأبيض والأصفر والأخضر والأحمر ولون السماء ، وربطه بين الحالة النفسية واللون . وأول ما يطالعنا في الأدب الجاهلي اللونان الأبيض والأسود . فلا بد من الإشارة إلى أمور منها :
- تلبية عكّ إذا خرجوا حجاجا ً قدموا أمامهم غلامين أسودين يقولان : نحن غرابا عكّ حيث يرتبط اللون الأسود بالتضحية والفداء .
- وقصة الغرابين في نبأ ابن آدم عندما قتل قابيل هابيل ، فأرسل الله غرابين يعلم الحي منهما الإنسان كيف يواري سوأة أخيه وهذا يدل على المعرفة .
- وكذلك لون الكعبة الأسود لم يكن مصادفة ، بل هو دلالة على غفران الذنوب ومسحها .
- أما اللون الأبيض فنراه أقرب إلى التفاؤل ، فالنور يرمز إلى الذات الإلهية ، ولون الملائكة والحور العين في الجنة البياض . وهو صفة الأنبياء ، فالأبيض بشكل عام يعني النقاء والإشارة إلى العلم المستقبلي مع بعض استثناءات . فقد يرمز إلى المرض والسوء كما في الآية الكريمة في معجزة سيدنا موسى عليه السلام (( بيضاء من غير سوء )) حيث يشير اللون الأبيض إلى النور وليس المرض الذي هو البرص ( السوء ) وهنا يحمل اللون تناقضا ً . وإذا انتقلنا إلى اللون الأصفر نجده يدل على المرض والندرة والتضحية ، وقد ورد في القرآن الكريم ذكر البقرة الصفراء التي سيضحى بها ، كأن اللون هنا يشير إلى علامة خفية عند اليهود بين الأصفر والذهب . وفي الحديث النبوي الشريف (( إياكم وخضراء الدمن )) إشارة إلى السوء من خلال اللون الأخضر ، وهذا استثناء لأن الأخضر هو ملابس أهل اللجنة ولون الخصب والرواء . وفي الشعر الجاهلي دل اللون الأبيض على الرجل الغني والقوي والكريم ، وعلى المرأة السعيدة وهذا كثير في شعرهم ، ونستشهد ببيت لزهير ( وأبيض فياض ٌ يداه غمامة على معتفيه ما تغب فواضله ) . أما اللون الأحمر فيدل على الشدة وقوة المعارك : ( بأنـّا نورد الرايات بيضا ً ونصدرهن حمرا ً قد روينا ) حيث كان التحول اللوني من البياض إلى الحمرة يشير إلى أمر عظيم وإلى شجاعة الفرسان ، أما إذا كان الفارس أسود كعنترة فهذه ظاهرة شاذة في حياة العرب ، وقد حمل اللون مدلولا ً نفسيا ً ، ويمثل هذه الحالة عنترة بسواده الموروث عن أمه مع قوته ، وتأتي معاناة عنترة من شعوره بعقدة النقص تجاه اللون الأبيض في مجتمع يؤمن بالتفرقة العنصرية . واللونية فتكون ردة الفعل عنده تقتل الأبطال البض : ( فلربما أبلج مثل بعلبك باد نضخم على ظهره الجواد مهبل غادرته متعفرا ً أوصاله والقوم بين مجرح ومجدّل ) . وينتشر اللون الأسود كثيرا ً في شعره ، فيذكر النعامة مشبها ً إياها بعبد أسود ، ويلقب حصانه بالأدهم ، والنوق التي تحمل الظعائن سوداء كالغراب الأسحم . وهذا يكشف لنا احتجاجه المكبوت على الأبيض الصادر عن عقدته اللونية ، وفرض لونه الذي يعاني منه والذي اضطهد وحرم من حبيبته بسببه . وقد يعبر الشاعر الجاهلي عن مشاعر الرعب باللون الأسود المتجسد في الليل : ( فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) . وفي مدلول الغزل والنسيب احتل اللون الأبيض مساحة واسعة في القصيدة حين اختار لون البياض للمرأة والحبيبة وجعلها مدخلا ً إلى الطبيعة وربطها برائحة الروض العطرة ، فكأن بياض المرأة الأنثى تعويض للشاعر عن قساوة المحيط الصحراوي في بحثه الدائم عن الماء الذي يذكره بعطشه الغريزي فيجعل اللون وسيلة تعويض وسطى بين المرأة والطبيعة . وقد يتلاعب باللون الأبيض والأسود ليخلق حالة جمالية في المرأة من خلال اجتماع اللونين حيث يتحقق النموذج المثالي في المرأة في بياض وجهها وسواد شعرها . ويحتوي المدلول الميثولوجي كما في ألف ليلة وليلة على دلالات عديدة للون ، كالدلالة الدينية والاجتماعية والسياسية والجمالية . أما المدلول الزمني للون فينحصر في محورين أساسيين هما : - تعامل الشاعر اللوني مع الزمن في المقدمة الطللية ومجلس الخمر – وتعامل الفكر الصوفي مع اللون بعد العصر الجاهلي .
تحدث عن المدلول الميثولوجي .
خير من يمثل ذلك النمط كتابا ألف ليلة وليلة و كليلة ودمنة ، فقد وردت بعض الألوان بصورة طبيعية غير مقصودة من خلال الإسهام في القص ومن جانب آخر وردت ألوان ذات معنى ودلالة عميقة ، فتحدث ابن المقفع عن الألوان بصفتها تمثل انطباعات مختلفة مثل : التخالف والتآلف ، ودلالة اللون على الخير والشر مثل الغراب الأسود والثعبان وابن آوى حيث دل اللون الأسود على الشر .... وفي ألف ليلة وليلة تؤدي الألوان في بعضها دورا ً هاما ً في إغناء الفكر العربي من خلال دلالاتها الدينية والاجتماعية والسياسية والجمالية والاقتصادية فمن الدلالة على الرمز الديني ما نراه في قصة ( السمكات المسحورة ) ( كان في مدينتنا أربعة صنوف مسلمين ونصارى ويهودا ومجوسا فسحرتهم سمكا فالأبيض المسلمون والأحمر المجوس والأزرق النصارى والأصفر اليهود ) إن العبارة السابقة تدعونا إلى استقراء العقائد الدينية ، ففي القرآن الكريم والحديث النبوي دلالة اللون الأبيض على المسلمون ، والمجوس عبدوا النار ، والأزرق لباس السيدة مريم العذراء من خلال صورها على جدران الكنائس وأصبح دلالة مهمة من دلالات الدين المسيحي الذي جعل ألوان قوس قزح عرشا ً للذات الإلهية فأعطاها قدسية غير أن اللون الطاغي فيما بعد هو الأزرق . أما اليهود فقد وردت عنهم قصة البقرة الصفراء ثم تطوره في كون اليهود يتعاملون بالذهب والتجارة ، فقد نجح القاص في تصوير الديانات ضحية أمام قوى السر ثم انتصار الخير على الشر بالاعتماد على الأسطورة التي اتكأت على الدين ، فالساحر الأول حول الناس إلى أسماك ملونة بألوان خلقها وابتكرها البعد الديني ، وقد قامت فكرة ألف ليلة وليلة منذ البداية على اللون ، فالحوادث سببها عبد أسود ضبطه السلطان مع زوجته البيضاء انطلاقا ً من هاجس طبقي ثم دخلت الإيحاءات المختلفة اللون ، فالبياض تحول نحو السواد ليكون ختام القصص نهاية سعيدة .
تحدث عن المدلول الزمني .
نتوقف هنا مع الطلل حيث يقف الشاعر على الطلل وبصفه ضمن إطار زمني محدد يتلاءم مع الصورة الطللية فيكثف اللون سكون المكان ( النابغة ) ( يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد وقفت فيها أصيلانا أسألها عنيت جوابا ما في الربع من أحد ) الأصيلان : تصغير الأصلان وهو وقت صفرة الشمس في الوقفة الحزينة على الطلل فلجأ إلى التصغير ليقلص المسافة الزمنية ويحصرها بالطلل ... وقد يعبر الشاعر باللون عن الزمن المتحرك فيختار لونه بدقة متناهية ليجعله محور التناسب المطلوب بين أفعاله الزمنية المتوالية ( زهير ) ( تبصر خليلي هل ترى من ظعائن تحملن بالعلياء من فوق جرثم علون بأنماط عتاق وكلة ٍ ورادٌ حواشيها مشاكهة الدم كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حبّ الغنا لم يحطم فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم ) إن الحشد السابق للأفعال يتطلب لونا ً هائجا حارا ، فالحديث هنا عن المرأة ولونها المفضل هو الأحمر لذلك عمد إلى تكراره ( وراد ) ( مشاكهة الدم ) وفي نهاية الرحلة ذكر اللون الأزرق للدلالة على الاستقرار والفرح . وفي حديث الخمرة نجد أن الشعراء الجاهليين تحدثوا عن لون واحد لها ولم يكن اختيارهم لها اعتباطيا ً بل محاولة من العقل الباطن لإحداث التوافق التام بين الزمن المحدد من خلال لون الخمرة ومفعولها الذي يختصر الزمن الكلي ( عمرو بن كلثوم ) (( ألا هبي بصحبك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا مشعشعة كأن الحص فيها إما ما الماء خالطها سخينا )) فالزمن المصرح به وقت الصباح الباكر ، لون الصباح الذهبي فيعكسه الشاعر على الخمرة ويختار لها لونا ً مشابها للون الصباح يحصره بالشعشعة والزعفران ، فاللون يدخل على الخمرة مباشرة بعد تكثيفها للزمن نفسه . وقد يخرج الشاعر إلى فكرة فلسفية تخص الإنسان نفسه ، الموت عبر الطريق العبثي وحصر الزمان في مكان ضيق وهو طريقة الأعشى ، والاستسلام للقدر كما في حديث عمرو بن كلثوم (( وإنا سوف تدركنا المنايا مقدرة لنا ومقدرينا )) . وفي مجال اللون الصوتي أكتفي بذكر دلالات الألوان عند ابن عربي الشاعر المتصوف الكبير في فكرة الموت حين يتخلص من المحسوس إلى اللامحسوس ،فقد حدد ابن عربي ألوان الموت وهي الأبيض ، الأسود ، الأحمر ، الأخضر . وفي العصر الحديث أصبح للون دلالة واسعة ، وظهرت تسميات جديدة مثل الذهب الأسود ، والسوق السوداء والقارة السوداء والسلاح الأبيض وغيرها ، وقد ثبت مواقعه في عالم الإبداع الشعري عامة ، والشعر السوري خاصة بعد تأثره تأثيرا ً واضحا ً بالحركة الشعرية العالمية بعد الأربعينات من القرن العشرين . ولم يأت الأمر عفويا ً بل جاء عبر دراسة عميقة وأسس نظرية كان أبرزها كسر طوق التقليد ومحاولة الإيتان بالجديد إذا اتسعت القصيدة لاستيعاب اللون بعد تحرره من قوالب القافية وبعض الأوزان ، كأنه وافق السعة اللونية واستوعبها بصورة دقيقة .
وهناك محورين ( اللون وفق الموروث فكريا ً – والدلالة الرمزية للون )
المحور الأول : اللون وفق الموروث فكريا ً : فاللون وفق الموروث ارتبط بالعادات والتقاليد الشائعة ، ففي التراث كلمات اتخذت دلالات لونية مثل كلمة الحداد التي تعني الحزن على الميت ، أو لبس المرأة ثيابا ً سوداء حدادا ً وحزنا ً ، ولبس الرجل العمامة الزرقاء وثوبا ً أزرق إلى أن يتزوج . والشاعر المعاصر يتفق مع الماضي في كون اللون الأسود يمثل الحزن فيوسع جزئياته وأسبابه كما في قول سليمان العيسى : ( أطلي على جوعي المدمر وانزلي على جثتي السوداء قطرة بلسم ) . ومن المعاني الموروثة أيضا ً دلالة السواد على الشعر بصورة مباشرة ، وقد كرر هذا التعبير الشعراء الرواد أمثال نزار قباني : ( يا شعرها على يدي شلال ليل أسود ألفه سنابلا ً سنابلا ً لم تحصد . فنزار تمسك بالموروث ، ولكنه لم ينطلق منه إلى معان ٍ جديدة خاصة بالمتغيرات التي حدثت في القرن العشرين فالأساس أن يكون اللون نفسه دعامة لنهج جديد ووفق المفهوم السابق ، نأخذ اللون الأحمر الذي يدل في أبسط حالاته على الهياج والتضحية والخطر ، أصبح يرمز إلى الفكر الماركسي أو الشيوعي ، فالتعاليم الماركسية انصرفت حسب أيديولوجيتها البينة إلى الطبقة العاملة ، ومن أهدافها التضحية حتى تصل الطبقة الأضعف إلى السلطة . وهناك شعراء حاولوا أن يزاوجوا بين فكرهم السياسي ونهجهم الأدبي فتحدثوا عن اللون الأحمر بصيغته السياسية ، فقد جعل محمد عمران أحد دواوينه بعنوان ( الأزرق والأحمر ) ممثلا ً الحال التي يعيشها العربي من تجزئة وصراع داخلي وتناحر بين الأقطار العربية ، إنها صورة لقتال الأخوين منذ بدء الخليقة صورة قائمة للصراع بين الأحمر والأسود الذي يتصعد حيث يرمز الأسود إلى قوى الظلام والأحمر إلى قوى الخير ثم يتحول الأحمر إلى شجرة مورقة ( وهي الأرض حمراء سوداء من شرفة الحلم حتى انطفاء العواصم من أول الماء حتى البكاء ) .
المحور الثاني : الدلالة الرمزية للون وتتناول : 1- الرمز العربي المشترك والرمز القومي ، وهو الرمز الذي ارتبط بذهن الأمة كلها وأصبح ملكا ً لها . فالمرأة العربية سمراء ، والرمل أسمر والفارس العربي أسمر . وقد رأينا أن اللون الأبيض فرض نفسه فالمرأة بيضاء والرجل أبيض ثم حدث انقلاب لوني احتل فيه لون مكان لون بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية ، وكان لبعض الشعراء فضل الابتكار والجدة في هذه المسألة ومنهم أحمد سليمان الأحمد ( وتلوح سمراء الخيام فهل جلت بسماتها غيم الأسى المتراكبا ) حيث منحت السمرة المرأة رقة وقوة والبسمة السمراء أصبحت شيئا ً يزيل صدأ يتراكم عبر سنين طويلة . 2- الرمز الخاص : وهو الرمز الذي يبتكره الشاعر ويمتلكه فيحتاج منا إلى إعمال فكرنا لإدراكه ، وفق معطيات منها ثقافة الشاعر وانتماؤه الفكري والسياسي والديني ومن هذه الرموز قول أحمد سليمان الأحمد ( رقم الهاتف عنوان قصيدة شوق في أوراقي البيضاء أدق الرقم فتنهمر الكلمات السحرية وزنا ً مات بسحره الشعراء هل أجحد هذه النعمة .) حيث احتل اللون مكانة جوهرية في القصيدة في البنية السطحية دلالة لونية لا تبوح إلا ببياض الصفحة ، ولكنها في العمق تلامس جوهر الحياة الإنسانية التي تسمو بالنفس إلى التجلي الروحي في رحلته نحو الانعتاق والقرب من ذات الإله كون الأحمد يميل إلى التصوف . 3- الرمز الديني : يستند على الفكر الديني الذي ورثه الشاعر من خلال اللون وقدسية المناسبة الدينية ، حيث يعد اللون البديل عن الفكرة السامية . ومن الرموز المشهورة ما قاله ممدوح عدوان ( ولو في غموض العجاج بياض الضباب ولو في الطلول بقايا خراب هو الرمل يسلم أنفاسه للزوال وتبقى المفازة ممتدة كالخيال يقلق الحوت هذه الأمانة متعبة أين يلقى بيونس ) الرمز الديني هنا محمول باللونين الأبيض والأسود . الأسود هو ظلمة بطن الحوت والأبيض هو الانعتاق والتصالح بين الإنسان والإله بعد تطهره من الأدران والذنوب . 4- اللون والخيال الشعبي : الخيال الشعبي ذلك الموروث الذي أخذ صفة المجموع ، واللون الذي يدخل في ذلك التصور الجمعي بصفته حاجة نفسية لا يمكن الاستغناء عنها ، ونمثل لذلك باللون الأبيض الدال على الزفاف بصفته محمولا ً للطهر والعذرية ، وكذلك شبهت المرأة بالفرس البيضاء دلالة على الأصالة . فالأبيض هو المهم المشترك بين الأفراد ( ممدوح عدوان ) (( كأن لها خجل العذراء تضحك أو تطرق في استحياء تتورد وجنتيها إن حاصرها الإطراء وتهوم في الأحلام عن الفارس يأتي فوق الفرس البيضاء )) إن وجود اللون مع الصورة التي يخلقها الفعل الجمعي يضفي على تلك الصورة نمطا ً من الاستمرارية ، فتصبح طابعا ً لا يمكن لتطور الزمن الحضاري أن يلغيه من ذاكرة الناس . 5- الأسطورة للأسطورة مع اللون أكثر من حالة ، حيث يمكن أن يرد اللون خلال السرد الأسطوري وتكون وظيفته تمهيدية جمالية ، وتظهر العلاقة بين مكونات الأسطورة في نهاية القصيدة متمثلة باللون الذي يقوم بالدور الأخير في نهاية الأسطورة وغايتها حيث يسد اللون الهوة بيننا وبينها ويجعلها مقبولة ومتداخلة تخفف وطأة الاختلاف الزماني والمكاني كقول نزار قباني ( وكان في العراق يا حبيبتي في سالف الزمان خليفة له ابنة جميلة عيونها طيران أخضران وشعرها قصيدة طويلة ) وقد يدخل اللون في السرد الأسطوري ليؤدي وظيفة الإيصال ، وقد حاول نزار من الاستفادة من الأسطورة في تصوير حال البرود والجمود الذي يعانيه ، فيصور قلبه بمدينة يحاصرها الجنود ويغزوها الفرس والتتار ، ولكنها تقتلهم ببرودها ، إنها تشبه أسطورة قديمة هي أسطورة ميدوزا الإله التي تحول كل من ينظر في عينيها إلى حجر ، فقد حور الشاعر الأسطورة اليونانية ليواكب قصيدته من حيث المعنى فيوظفها بعد أن يحورها من النظر إلى اللمس بتقنية تراسل الحواس ، ساعد على ذلك دخول اللون في جسد القصيدة فيقول :
(( يغمرها الثلج وأوراق الشجر قبلك يا حبيبتي ... جاءت إلى مدينتي جحافل الفرس وأفواج التتر وجاء أكثر من مغامر ثم انتحر فحذاري أن تلمسي جدرانها وحذاري أن تقربي أوثانها فكل من لامسها صار حجر . إن أوسع الأشياء التي تحيط بنا هي الألوان التي تمتلك القدرة على الشمولية ، حيث تمر حركتنا باتجاه الماضي والحاضر والمستقبل عبر اللون . وفي الختام نقول إن الكم الهائل من الألوان التي تذخر بها الدواوين الشعرية يستدعي منا التأمل في البعد الجديد للون بعد أن أصبح وسيلة وعاملا ً أساسيا ً في بنية القصيدة يتحكم الشاعر عبرها بموضوعه شكلا ً ومضمونا ً .
تحدث عن زكريا تامر .
أجمع النقاد على أن " زكريا " قمة من قمم الإبداع في الاتجاه التعبيري في سورية كما قال عنه ( خلدون الشمعة ) وقال عنه ( رياض عثمان ) : " إن أهم ما يمثل التعبيرية وتطويرها هو زكريا تامر " . وفي رأي ( فاروق عبد القادر ) أن زكريا تامر استطاع أن يصبح نسيج وحدة في القصة العربية ، أي ليس له مثيل . أما ( صبري حافظ ) فقد رأى في أعماله البداية الحقيقية للصوت الجديد والرؤى الجديدة التي أطلت على فن القصة . وهكذا فإن زكريا تامر قاصٌّ مبدع أبدع رؤية وتيارا ً جديدين في القصة القصيرة ممثلة بمجموعات عديدة قصصية أول مجموعة له هي ( صهيل الجواد الأبيض ) عام 1960 , ( ربيع الرماد ) عام 1963 و ( الرعد ) عام 1970 و( دمشق الحرائق ) عام 1973 و ( النمور في اليوم العاشر ) عام 1978 و ( الأعداء ) و ( رندة ) و ( تكسير ركب ) عام 2002 . وقد استخدم زكريا في أدبه الصورة البصرية والشعرية بدلا ً من السرد والإملاء وحكايات العفاريت والخرافات ، وكان أسلوبه يتراوح بين الأسلوب المنمق الشاعري الزاخر بالألفاظ المنتقاة وبين الأسلوب المتماسك تارة ً واللحن تارة أخرى . ولعل الشيء البارز عند زكريا صاحب النزعة الفردية هو الشاعرية ، شاعرية الأسلوب وشاعرية الصورة والموقف أيضا ً .
تحدث عن تحليل قصة الاستغاثة من مجموعة ( دمشق الحرائق ).
قصة الاستغاثة : تعلو صرخة استغاثة قادمة من الأرض المحتلة فتدب الحياة في تمثال يوسف العظمة ويترك قاعدته ويتحول إلى كائن حي عبر بناء تعبيري يمتزج فيه المحال بالممكن والواقع بغير الواقع .. وتتجاوز الأزمنة عبر أسلوب القطع السينمائي فيعود الكاتب إلى الماضي ليصور استشهاد يوسف العظمة الرافض للانسحاب ، المتمسك بالوطن ، يتحرك يوسف العظمة في شوارع دمشق فيصطدم بشرطي يسأله عن هويته وسلاحه ومخالفته القانون ، وعندما يؤكد لهم يوسف العظمة أن حمل السلاح من مهمته يتهمه بالسكر والكذب لأن الوزير لا يمشي في الليل وحده ولا يحمل سلاحا ً بل يرافقه مسلح يحميه ، ويرافقه إلى المخفر حيث يدور حوار بينه وبين المحقق عن حقيقة شخصيته ولماذا لم يوقف تقدم العدو ، وهنا يرتد الكاتب إلى الماضي ليصور عظمته ومواقفه في رفض الانسحاب إلى أن يستشهد أما في الحاضر فيوضع في مشفى المجانين حيث ينظر إلى السماء فيراها مغطاة بسحب سوداء فيطلق استغاثة تلتقي بالاستغاثة القادمة من الأرض المحتلة . فمن خلال المزج بين الاستغاثتين الماضي والحاضر يضعنا الكاتب على طريق المستقبل عبر الوجوه المضيئة . في التراث العربي وتاريخ النضال العربي مستخدما ً الصور المكثفة التي تعبر عن الواقع وتعيد صياغته وخلقه من جديد دون اللجوء إلى المباشرة والوعظ والتقرير ، ودون تصوير الواقع تصويرا ً سطحيا ً فوتوغرافيا ً .
تحدث عن الرمز .
تقترب القصة من الرمز كثيرا ً حتى تكاد تلامس فكرة التجريد عنده سعيا ً إلى تقنية فنية تعتمد على عناصر تقنية مثل ( الأحلام – أحلام اليقظة – النجوى – الكوابيس ) وتتكئ أحيانا ً على الأسطورة والخرافات الشعبية كما في قصص ( إمرأة وحيدة – وجه القمر – رندة ) من مجوعة حرائق دمشق) و ( النمور في اليوم العاشر ) . وهذه العناصر ليست مقصودة لذلك بل لتعكس شعور المجتمع ومشاكله والفوضى والظلم ، كما تعكس الشعور الرهيب بالتمرد واليأس والوحدة والتوق إلى الحب والحنان ، ولعل قصة ( وجه القمر ) نموذج جيد للتعرف على خاصة ( الرمز ) وأهم سمات البناء القصصي لديه وخصائصه . الحدث في ( وجه القمر ) و " سميحة " فتاة مطلقة تعيش في بيت أهلها ، كان أبوها قد ضربها إبان طفولتها بسبب انحسار تنورتها عن ركبتها ، وتعرضت في طفولتها إلى الاغتصاب ولذلك هي تكره ماضيها المتمثل في شجرة الليمون التي تتعرض لضربات فأس الحطاب ، وترافق صرخات من معتوه في الشارع يتعرض للأذى على أيدي صبية الحي . إن طريقة تناول الكاتب للحدث وتحريكه واختيار النقاط الحساسة والغريبة فيه وإلقاء الضوء عليها وتعتيم غيرها ، يجعل الحدث العادي غير عادي مما يؤدي إلى دهشة القارئ خاصة عندما تزج الأحداث والأزمان والمواقع والأفعال في حركة واحدة كما في الفن السينمائي فيختلط الواقع والحلم في الشعور .. إنه عالم يحمل كل قساوة الواقع وعيوبه .
تحليل الرمز :
1- الحطاب الذي يقطع شجرة الليمون حدث يمثل الواقع .
2- " سميحة " المستسلمة لأحلام اليقظة تمثل اللاواقع " الحلم " .
3- تعرض المعتوه للضرب والأذى يمثل المجتمع المريض المشوه .
4- ضرب الوالد لابنته " سميحة " وهي طفلة يمثل القمع .
5- القمر يرمز إلى الحياة الطبيعية السوية المملوءة بالحب والحنان .
6- انهيار شجرة الليمون يمثل انتهاء الطفولة وتخلص " سميحة " من عقدها النفسية .
يقول : " كانت فأس الحطاب تهوي برتابة على جذع شجرة الليمون المنتصبة في باحة البيت بينما كانت ( سميحة ) قرب النافذة المطلة على الزقاق حيث تتصاعد بين الفينة والفينة صرخات شاب معتوه " . ويقول : " وابتعدت سميحة عن النافذة خاضعة لرعب خفي وارتمت على الأريكة وامتزج عطر الليمون وأصوات الفأس بصراخ المعتوه " . إن عالم الواقع وعالم الحلم يشكلان نسيجا ً واحدا ً لذلك يبدو من الصعوبة فصل الشكل عن المضمون ، ولا نستطيع فصل الصور والخيال عن بعضهما بل هي بدائل للمشاعر لا يمكن صوغها بلغة عادية .. إن الصور التي تصل بين عالم الشاعر الداخلي والخارجي لها القدرة على الإيحاء تفوق أية قدرة تعبيرية ، فالكاتب يغوص في الأعماق ويطرح قضايا واقعية عبر أشكال فنية بعيدة عن الواقع ، وهذا أمر غير مألوف في القصة السورية . يقول : " وكانت رائحة شجرة الليمون تتسلل إلى الغرفة وتتغلغل في الهواء وكأنها شحادة عمياء تطرق الأبواب متوسلة بانكسار ..."
تحدث عن القصة القصيرة .
القصة فن إبداعي ينتمي إلى مجموعة من الفنون القولية الدرامية التي تقوم على أساس أحداث كأنها وقعت أو يمكن أن تقع . وأداتها لغة النثر لا الشعر ، ويتخلل هذه اللغة الحوار ولكنها لا تقتصر عليه . والقصة فن أدبي حديث ، ارتبط ظهوره بظهور الطابعة والصحافة ، ونشوء القوميات في أوروبا ، وتحرر لفرد من الإقطاع ، وثورة الطبقة الوسطى . وقد اقتصر بداية ً على القصص المترجمة في عالمنا العربي ، ثم ظهرت أعلام عربية تمرست بإبداعها حتى ترسخت دعائمها ، وفرضت نفسها في عالم الأجناس الأدبية . ومن الأدباء : فؤاد الشايب ، زكريا تامر ، عبد السلام العجيلي ، علي الخلقي ... وقد وصفت القصة القصيرة لأنها فن اللحظة الهامة ، واختيار هذه اللحظة من أهم خصائص القاص المبدع . تلك اللحظة تكشف عصورا ً بأكملها ، فهي تتسم بالتكثيف والتركيز ، وتعتني بكل كلمة وجملة ، حتى تقترب من الصياغة الشعرية الموحية ، فلا توجد شخصيات زائدة أو عبارات أو مواقف غير ضرورية ، وهذا يفسر لنا شكلها الذي يتصف بالقصر : قصر حجمها وزمانها ، ومحدودية شخصياتها ، فهي تعالج موضوعا ً واحدا ً في زمن واحد ، وفي مكان واحد تقريبا ً . وتنفرد القصة القصيرة بحضورها وحيويتها ، وقدرتها على التقاط نبض العصر وهمومه ، والتعبير عن التطورات الجارية في المجتمع . ولعل قالبها المميز بالقصر هو الذي يكفل لها سرعة الانتشار والتلقي ، والاستجابة لآلام الناس وآمالهم ، والاقتراب من صور الحياة المعيشة . وللناقد الروسي ( دستويفسكي ) عبارة مشهورة تقول " لقد أتينا جميعا ً من تحت معطف غوغول " ، وهو يشير بذلك إلى ريادة الأديب ( غوغول ) لفن القصة القصيرة التي تعنى بالرجل البسيط العادي ، لا بالأبطال والملوك والنبلاء ، وتهتم بالتعابير عن همومه من خلال لحظة زمنية هامة من حياته ، لكنها تستوعب كل الأزمنة ، وتستقطب كل الهموم والمشكلات والتطلعات ، للطبقة الفقيرة والمسحوقة اجتماعيا ً واقتصاديا ً وسياسيا ً . وهي لا تتعامل مع الانتصار بل الكبت والهزيمة والضياع ، وبطلها أكثر انطواء على نفسه ، لا يعيش حياة الآخرين وإن تعاطف معهم . لذلك تتطلب القصة القصيرة تطابقا ً تاما ً بين الشكل والمضمون لأنها تتناول الحياة من زاوية واحدة .
عناصر القصة القصيرة :
1-= اللغة : وتشمل الحوار والسرد . ولغة القصة لها خصوصية شعرية تستدعي التأني في التعامل مع المفردة والجملة والتركيب ، وخلق لغة خاصة تلائم هذا الجنس الأدبي ، تقوم على معرفة أسرار اللغة ، واستعمال الضمائر والتكثيف . الحوار وسماته : - يجب أن يتميز بالرشاقة والحيوية والقصر . – يجب أن يتناسب مع مستوى الشخصية وجنسها وعمرها وثقافتها . – يجب أن تكون لغة الحوار حية انفعالية تعبر عن الأفكار ، وتتسم بالمرونة والبساطة التي تكشف الأعماق الإنسانية الدافئة . – يمكن للحوار أن يشارك بما يعرف بالإيهام بالواقع ، حتى يصبح قريبا ً مما يتحدث به الناس عامة ، وهذا يقود إلى مشكلة تتعلق بالحوار الفصيح والحوار العامي ، فقد دعا بعض الكتاب إلى أن يكون الحوار عاميا ً ودعا البعض الآخر إلى أن يكون فصيحا ً ، إلا أن الكتاب السوريين اعمدوا حلا ً توفيقيا ً ، الحوار الفصيح ، ولكن الكلمات في نظامها وتقديمها وتأخيرها كانت أقرب العامية والحديث العادي . مثال ذلك قصة ( بيتها في سفح الجبل ) لشوقي بغدادي ( يا ستي اشفي وأنا في خدمتك ) . ويمكن أن نخرج بنتيجة الطروحات السابقة إلى حقيقة مفادها أنه ليس ضروريا ً أن يكون الحوار مطابقا ً للحوار في الحياة اليومية ، بل موحيا ً به ، والمحادثة القصصية تكون أشد تركيزا ً من محادثة الحياة الواقعية .
2-= العقدة : تتابع زمني يربط بينه معنى السببية . وكل عقدة تحوي صراعا ً ضد الأقدار أو الظروف الاجتماعية ، أو صراعا ً بين الشخصيات ، أو صراعا ً داخل الشخصية الواحدة . ولعل قصة ( الثلج في آخر الليل ) لزكريا تامر ، خير مثال على الصراع الداخلي بين البطل ونفسه من خلال المونولوج الداخلي .
3-= الشخصية : وهي عامل أساسي مكون للعمل القصصي ، لأنها تشكل أساس هذا العمل من خلال أقوالها وأعمالها وحواراتها ، وتدرس القصة القصيرة الأبعاد المختلفة للشخصيات ، كالبعد المادي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي والبعد الفكري . وقد تنتمي هذه الشخصيات إلى عالم الإنسان ، أو عالم الحيوان ومنها ما ينتمي إلى عالم الخيال والسحر والخرافة ، كقصة ( بنت الساحرة ) و ( السيف والتابوت ) لعبد السلام العجيلي ، ومنها ما ينتمي إلى عالم الأساطير أو عالم الآلهة . أقسام الشخصيات : للشخصيات مستويات : شخصيات رئيسية تدور حولها الأحداث ، وشخصيات ثانوية تكون في خدمتها فنيا ً . ويمكن تقسيم الشخصيات إلى : ( 1 ) الشخصيات المسطحة : وتتميز بما يلي : - لا تعرف الحل الوسط وتتوزع على أحد قطبين إما عاطفة الحب أو عاطفة الكره – الجمود فهي لا تستفيد من خبرة سابقة . – لا تتطور ولا تتقدم مع امتداد العمر .- لا تتغلغل داخل الشخصيات ، وحركتها خارجية .- استخدام الضمير الواحد للشخصية التي لا أبعاد لها . ( 2 ) الشخصية المعقدة ( النامية ) : نمت نتيجة التطورات التي حلت بالمجتمع ، فخلقت شخصيات أكثر تعقيدا ً يحكمها الصراع الداخلي . أهم سماتها – التنقل بين مختلف مستويات الشعور والحديث .- استخدام الضمائر الثلاثة .- التنقل بين الزمنين الماضي والحاضر ، الماضي يعبر عن العالم الداخلي للشخصية ( ذكرياتها ) والحاضر هو إحساسها بالعالم الخارجي .- استخدام الألفاظ المتضادة للحصول على معنى جديد من هذا التجاور بين الإيجاب والنفي ، لخلق حالة من التردد والشك والقلق . وهناك شخصية ( الراوي ) وهي إما محايدة أو متدخلة بأحداث القصة ، والأفضل أن تكون شاهدة على الأحداث لا متداخلة . ويستخدم الكاتب عددا ً من الضمائر ، فإذا استخدم ضمير الأنا فإننا سنرى الأمور من وجهة نظر بطل القصة ، وإذا استخدم ضمير الغائب فإننا نراها من وجهة نظر الكاتب ، وقد يستخدم ضمير المخاطب في الحوار ، وهذه الضمائر تكسر رتابة استخدام ضمير واحد ، والتقاط الحدث من أكثر من زاوية .
4-= البداية : وهي فاتحة النص ، ويجب أن تكون مشوقة ، تتمتع بالحركة . فالبداية الوصفية تنفر القارئ ، وتفقده عنصر التشويق والسحر والجاذبية .
5-= الخاتمة : وهي التكوين النهائي للقصة ، حيث تصل الشخصيات إلى كمالها ، وتحقق عنصر الإدهاش الناتج عن المفارقة والمفاجأة ، كما في القصص البوليسية . ويجب أن تكون الخاتمة متحركة ، ولا يخفى أثر الخاتمة وخصوصيتها في تقنين القصة .