بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في الذكرى الثانية لاستشهاد فارس الأمة صدام حسين
أقدم لأبناء امتنا العربية ملامح من حياة الزعيم الخالد
صدام حسين... سيرة مناضل قومي
(1937 ـ 2006)
المولد والنشأة :
في هذا اليوم (28/4/1937) وضعت السيدة "صبحة طلفاح المسلط" مولودها في بيت أخيها "خير الله طلفاح"، وكان عمه "حسن المجيد" هو الذي أطلق عليه اسم (صدام) في قرية العوجة بالقرب من مدينة تكريت (170كم) في الشمال الغربي من بغداد. ولد يتيما، مات أبوه "حسين المجيد" قبل أن ترى عيناه النور بأشهر قليلة، في عائلة فقيرة تعمل في الزراعة والرعي.
يذكر المؤرخون لسيرته انه ينتمي إلى أسرة من أعرق الأسر في تاريخ العرب الديني والسياسي على السواء، وإذا كان المؤرخون العرب يهتمون في تاريخ الإنسان برسم الأشجار التي تحفظ تسلسل الأرومة في شكلها الاسروي فان تأمل شجرة الأسرة التي انحدر منها صدام حسين يدلنا على أنها تمتد جذرا بعد جذر إلى الأسرة العلوية وتاجها الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه. وتعود جذوره العشائرية إلى عشيرة آل الأمير بوناصر وهي من العشائر العريقة في العراق.
لم يعش صدام طفولة مريحة سهلة. لقد تنقل في السنوات العشر الأولى من حياته ما بين البيت الذي ولد فيه، بيت خاله، وبيت عمه الحاج إبراهيم حسن الذي تزوج من أمه بعد وفاة أبيه في قرية الشويش.
منذ طفولته المبكرة كان عليه أن يواجه قدره بنفسه، رغم الظروف القاسية التي نشأ عليها، إلا انه لم ينغلق ذاتيا ويتقوقع على نفسه، بل علمته الظروف والصعوبات الحياتية في بيئته الأولى التي أحاطت به، معاني أساسية سوف تلازمه طيلة حياته ونضاله : الصبر، الجلد على تحمل الصعاب، شدة المراس، الاعتماد على الذات، الشجاعة والقدرة على اقتحام المخاطر الصرامة القاسية، الدقة في الحساب النفسي للمشاعر، الانضباط في السلوك الأخلاقي حب الفقراء، والالتصاق ببسطاء الناس.
قال الرئيس صدام ذات يوم : " أن النهج السياسي اللاحق للإنسان، لا يستقل عن تاريخه السابق عن ولادته، وحياته، وصعوبات حياته ".
تلقى صدام (في عام 1947) دراسته الابتدائية في مدرسة تكريت حيث عاش في بيت خاله خير الله طلفاح الزعيم الوطني والمقاوم للاحتلال البريطاني والسلطة العميلة آنذاك، وكان لخاله تأثير كبير على شخصيته ولعب دورا متميزا في مستقبله السياسي والاجتماعي.
ولما انتقل خاله إلى بغداد بقي وحده في دار خاله بتكريت لمدة سنتين لمتابعة الدراسة. ثم انتقل إلى بغداد، والتحق بمدرسة الكرخ الثانوية في بغداد كانت هذه المدرسة واحدة من القلاع الوطنية في العراق كله، وتأثر صدام بالأجواء التي عاشها في المدرسة، حيث تفتحت مشاعره وأفكاره وتوجهاته السياسية ونزعاته القيادية الكامنة. كما تأثر بأفكار خاله القومية ومشاعره المناهضة للاستعمار البريطاني وأعوانه.
الفكر والانتماء السياسي :
كان المناخ الوطني والقومي حارا وملتهبا (في أكتوبر / تشرين الأول عام 1956) نتيجة العدوان الثلاثي على مصر, فشارك مع الجماهير والطلاب في مظاهراتهم ضد الاحتلال وأعوانه وكان يومها طالبا في الصف الرابع الثانوي، ضد العدوان وضد حلف بغداد وطالبوا بإسقاطه. في هذه الأجواء نضج فكر صدام حسين السياسي. ولم يمض بعدها أكثر من أشهر قلائل حتى انخرط في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي.
وبعد سنتين، كانت بغداد تغلي فوق فوهة بركان ما ينفك يطلق حممه و(في 14 يوليو / تموز 1958) انفجر البركان مدويا بثورة الشعب العراقي عبر أحزابه السياسية المكونة لـ " جبهة الاتحاد الوطني "، وهي : حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الشيوعي العراقي، حزب الاستقلال الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني "، وجيشه الوطني. وسقط النظام الملكي، وأعلن قيام الجمهورية العراقية، وتولى "عبد الكريم قاسم" رئاسة الوزراء في الجمهورية العراقية.
وقد حاول الشيوعيون الاستحواذ على السلطة وعزل القوى السياسية الأخرى، مما أحدث شرخا وتصدعا في بنيان الجبهة، خاصة بين القوميين والشيوعيين. وحدثت مواجهات دموية، في تلك المرحلة قتل ضابط أمني في تكريت، واتهم صدام حسين بقتله، فاعتقل وأودع السجن تمهيدا لتقديمه للمحاكمة، وبقي في السجن ستة أشهر بين عامي 1958 ـ 1959، ثم أفرجت عنه المحكمة وبرأته من التهمة.
وبعد خروجه من السجن، كلفه الحزب (في 7/10/1959) باغتيال عبد الكريم قاسم، ولم يتردد في تنفيذ المهمة، وقي شارع الرشيد أطلق صدام ورفاقه النار باتجاه سيارة الرئيس قاسم، وأثناء انسحابهم بعد تيقنهم من قتله، إلا انه لم يقتل، أطلق احد الحراس النار نحوهم، فأصيب صدام بعيار ناري في ساقه، و طلب منه الحزب الاختفاء خوفا على حياته من بطش الأجهزة الأمنية التي انتشرت بكل جنون في شوارع بغداد.
فعاد إلى بلدته تكريت. ومنذ ذلك الوقت بدأ نجم صدام يلمع ومكانته تزداد لدى قادة الحزب. وحينما انكشف دوره في عملية الاغتيال، وبدأت الأجهزة الأمنية في مطاردته والبحث عنه في كل الأماكن التي يتردد عليها، قرر الخروج من العراق بالاتفاق مع الحزب فتوجه إلى سورية في رحلة طويلة وشاقة اكتنفها الكثير من المخاطر، أهمها انه قطع نهر دجلة سباحة حتى يصل إلى الضفة الأخرى. ومكث فيها ثلاثة أشهر.
وبعدها توجه إلى مصر (في 21/2/1960). وفي القاهرة التحق بالصف الخامس الثانوي بمدرسة قصر النيل الخاصة لإكمال دراسته الثانوية والحصول على شهادة الثانوية العامة وسكن مع رفاقه في حي الدقي.
وأثناء وجوده بالقاهرة، أصدرت المحكمة العسكرية العليا الخاصة في بغداد، (في ديسمبر / كانون الأول 1960) حكمها بالإعدام على صدام ورفاقه من أعضاء الحزب الهاربين خارج البلاد لمشاركتهم في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم.
مما رفع أسهمه لدي قيادة الحزب ورفاقه، فارتقي في صفوف القيادة الطلابية لحزب البعث حتى أصبح مسؤولا عن الطلاب المنتمين للحزب فرع مصر. وفي عام 1961 انتسب صدام إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ولكنه لم يكمل دراسته إذ قطعها ليعود إلى العراق بعد قيام الثورة ضد قاسم.
الحياة السياسية والحزبية :
بعد الإساءات التي ارتكبها الشيوعيون بحق الشعب والجيش، فلم يعد من الممكن الصبر طويلا على الظلم، فتحركت فرق الجيش لتحاصر القصر الرئاسي بقيادة ضباط من حزب البعث ليلة (14 يوليو / تموز 1963) لينجحوا في الإطاحة بنظام عبد الكريم قاسم، ومن ثم إعدامه. ويتم تنصيب عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية.
وعاد صدام حسين إلى العراق، ليصبح عضوا في مكتب الفلاحين المركزي. وظل يعمل فيه حتى وقع انقلاب عبد السلام عارف ضد البعثيين في (18 نوفمبر / تشرين الثاني 1963).
وبعد انعقاد المؤتمر القومي السادس في دمشق ومشاركة صدام في المؤتمر، وتحدث فيه منتقدا الأوضاع الحزبية التي يعاني منها التنظيم في بغداد خصوصا في ظل غياب القيادة والرؤية الواضحة. فتحت السجون لتستقبل أعضاء حزب البعث، ومطاردة آخرين ومن بينهم صدام حسين، الذي تمكن من الاختفاء داخل العراق.
في تلك الأثناء عين الحزب صدام مشرفا على التنظيم السياسي وانشغل في التحضير لعمل عسكري يغير به نظام عارف. وبدأ بإجراء اتصالاته مع كل القادة العسكريين والضباط الذين يثق بهم، وتوثقت علاقته مع رئيس الوزراء احمد حسن البكر مسؤول التنظيم العسكري في الحزب، والعديد من القادة والضباط المخلصين للبعث والعراق.
وسافر صدام في العام نفسه (1963) إلى دمشق، متخفيا ومتسللا عبر الحدود العراقية ـ السورية، ليشارك في أعمال المؤتمر القومي السابع. وفي دمشق التقى بمؤسس الحزب ميشيل عفلق، وشرح له الاضطرابات والانشقاقات التي شهدها جناح الحزب في العراق واتفقا على آليات للعمل القومي للخروج من الأزمة.
عاد صدام إلى العراق بعد أن حقق عدة مكاسب سياسية، حيث وثق صلته بالقيادة القومية للحزب ومقرها سورية، وتم الاتفاق على تشكيل "نواة قيادية" مؤقتة حتى تقرر القيادة القومية أمر قيادتها لتوجيه العمل داخل العراق.
وبدأ العمل والتخطيط بالتنسيق بين صدام واحمد حسن البكر، للقيام بعمل ثوري ضد نظام عبد السلام عارف، وأخذت بيانات ومنشورات القيادة القطرية تنتشر مجددا في شوارع بغداد، تفضح سياسات الحكومة ورجالها الذين انقلبوا على أنفسهم. ووضعت خطة الهجوم على القصر الرئاسي لإنهاء الأزمة الحزبية القائمة.
وفي (4 أيلول / سبتمبر 1964)، أي قبل يوم واحد من التنفيذ اكتشفت الخطة وفشلت الثورة، وجن جنون السلطة، وبدأت حملة مسعورة لإلقاء القبض على القيادة المدبرة للانقلاب. وشل التنظيم الحزبي من اثر الضربة المفاجئة، وبات عليه أن يبدأ من جديد.
ورفض صدام نصيحة القيادة القومية للحزب في دمشق بالتوجه إلى دمشق فرارا من بطش السلطة. ونجحت الأجهزة الأمنية في إلقاء القبض عليه في (14 أكتوبر / تشرين الأول 1964) بعد مطاردات عنيفة، وتم سجنه في زنزانة منفردة في مديرية الأمن ببغداد تعرض فيها لتعذيب شديد.
وتقديرا من القيادة القومية للحزب، لصموده ولدوره البطولي الذي قام به، قررت القيادة انتخابه في (23 يوليو / تموز 1966) نائبا لأمين سر القيادة القطرية لحزب البعث، وهو مازال في سجنه.
وقد استطاع صدام بمساعدة بعض رفاقه تدبير خطة للهرب من السجن أتناء خروجه لإحدى جلسات المحاكمة، ونجحت الخطة بالفعل واستطاع الفرار. ليبدأ ملحمة أخرى من ملاحم حياته، في إعادة بناء التنظيم الحزبي وتنقية الفكر الحزبي من الشوائب التي علقت به نتيجة التصرفات والسلوكيات الفردية الخاطئة.
الثورة والوصول إلى السلطة :
بعد هروبه من السجن، لم يدخر السلامة والأمن لحياته، بل واصل عمله الحزبي في إعادة تشكيل الخلايا الحزبية وبناء التنظيم، وكان أول عمل قام به هو إنشاء نظام أمني داخل الحزب عرف باسم "جهاز حنين" ليحمي الحزب بعد الضربات المتلاحقة التي حلت به. كما تولى مسؤولية التنظيم الفلاحي والنسائي. بالإضافة إلى عضويته في القيادة كنائبا لامين السر، وهو احمد حسن البكر، وكذلك مسؤولية فرع بغداد.
في تلك الفترة وقعت الخلافات بين جناحي التنظيم في كل من العراق وسورية وبلغت ذروتها بحالة من الانقسام بين الجناحين البعثيين. إلا أن هذه الحالة لم تؤثر على صدام والقيادة البعثية في العراق، رغم قرار فصلهم اثر الانقلاب الذي قامت به في (23/2/1966) القيادة القطرية السورية وعسكرها ضد القيادة القومية للحزب وتعيين قيادة قومية جديدة. فقد تمكنوا من تنظيم صفوفهم وإعادة انتخاب القيادة القطرية بزعامة احمد حسن البكر، لتقود التنظيم في العراق.
وسار العمل الحزبي على طريقه الجديد بهمة ونشاط وتقدم دائب، فقد وضع الحزب نصب عينيه أن ينهض في العراق بثورة قريبة، معتمدا على قواه الذاتية وتحالفاته السياسية، وتغلغله في التنظيمات والمؤسسات الجماهيرية وكذلك في المؤسسة العسكرية. واقتربت ساعة الصفر. ففي ليلة (17/7/1968) تحركت الدبابات لتحاصر القصر الجمهوري بقيادة احمد حسن البكر وصدام حسين ورفاقهم من حزب البعث، وتم الإطاحة
بكل هدوء بنظام عبد الرحمن عارف الذي تولى الحكم بعد وفاة أخيه عبد السلام اثر سقوط طائرته العمودية. وأعلنت إذاعة الجمهورية العراقية على الشعب العراقي والأمة العربية نبأ قيام ثورة 17 تموز/ يوليو المجيدة في القطر العراقي. وتولى احمد حسن البكر رئاسة الجمهورية، وشغل صدام مسؤولية الأمن الداخلي. وتولي في (9/11/1969) منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة رسميا، بعد أن كان مكلفا به منذ انطلاقة الثورة.
بناء دولة العراق :
منح الحكم الذاتي للأكراد، انطلاقا من أيمانه بوحدة العراق أرضا وشعبا، وأيمانه بحقوق القوميات الأخرى الشريكة في الوطن، وبخاصة الأكراد. فقد بدأ في وقت مبكر مفاوضاته مع الحركة الكردية، ووقع معهم اتفاق الحكم الذاتي في (11/3/1970) والذي ضمن لهم حقوقهم الثقافية والسياسية، لغة ومدارس وجامعات، وبرلمان وحكومة، وهو ما لم يحظ به الأكراد، أو بجزء منه على الأقل، في أي بلد من بلدان الجوار.
تأميم نفط العراق، لعب صدام دورا مهما في تأميم شركات النفط الاحتكارية في العراق ففي (الأول من يونيو / حزيران 1972) أعلن الرئيس البكر عن تأميم شركات النفط لصالح الشعب، وبذلك أعاد للشعب العراق حقوقه التاريخية في ثروة النفط وإيراداته. وفي أوائل مارس / آذار 1972 تمكنت الحكومة العراقية من تسويق 48 مليون طن من النفط المؤمم، من أصل 57 مليون طن، وهذا الرقم يزيد بمقدار عشرين مليون طن عن الرقم الذي ادعت الشركات الاحتكارية، قبل تأميمها، أنها لا تستطيع تسويق أكثر منه. مما يعني سرقة الشعب العراقي، وضرب اقتصاده. وبذلك حقق العراق الاستقلال الاقتصادي، وحرر الإرادة الوطنية بكسر التبعية للغرب الاستعماري. ورفع العراق شعار "نفط العرب للعرب". كما دعا العراق إلى استخدام النفط كسلاح في المعركة القومية ضد الامبريالية والصهيونية، وذلك في اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك في عام 1973.
الثورة العلمية والتعليمية، وبعد أن ساهم صدام حسين في تحرير الاقتصاد الوطني العراقي، انطلق لوضع خطة شاملة على مستوى العراق كله لتعليم الشعب القراءة والكتابة، فأصدر قانونا بمجانية التعليم من الروضة إلى شهادة الدكتوراه. وفرض عقوبة تصل إلى ثلاث سنوات لمن لا يحضر دروس محو الأمية. ولم يكتف بذلك بل وضع خطة للنهوض بالأسس العلمية والأساليب التكنولوجية الحديثة، وباشر بتنفيذها على مراحل.
إذ كان هدفه الرئيسي هو إيجاد تكنولوجيا عربية متقدمة، فألحق لهذه الغاية هيئة الطاقة الذرية العراقية بمكتبه ليشرف عليها بنفسه، وتولى شخصيا التفاوض مع فرنسا لشراء المعدات وتدريب العلماء والفنيين، وتمكن في الثمانينيات من إقامة أول مفاعل ذري عربي (مفاعل تموز).
وقد كان للرئيس صدام حسين رؤيته الخاصة، والمختلفة مع الرؤى الأخرى حول كيفية النهوض بالثورة العلمية، يقول علينا "أولا، أن نعد أنفسنا لان نتعامل مع التقنية والعلم ونستوعبهما بشكل جيد، ولذلك لا بد أن نهتم بمراكز البحوث، ولا بد من الاهتمام بإعداد الكادر ولا بد من الاهتمام بآخر مبتكرات العلم والتكنولوجيا، اطلاعا ودراسة... فلكي نصبح دولة متطورة صناعيا بالموقع والصيغ التي تنسجم مع أهدافنا علينا أن نتقن التعامل مع العلم والتكنولوجيا كما أبدعها الآخرون في المرحلة الأولى من عملنا. وثانيا، أن تكيف التكنولوجيا والعلم وطنيا، فلا يجب أن نأخذ كل مبتكراتهما ونضعها في الاستخدام كما هي، إنما نكيفها أو نكيف البعض منها بضوء أهدافنا وظروفنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وثالثا، التصنيع أي أن نصنع نحن بطريقنا الخاص، بما يتلاءم وأهدافنا الوطنية وطموحنا القومي".
وعلى مستوى التضامن العربي، تدارك صدام حسين انهيار النظام العربي بعد توقيع مصر لاتفاقيات كامب ديفيد، فعمل على عزل نظام الرئيس أنور السادات عربيا ودعم جبهة الصمود والتصدي والثورة الفلسطينية، وقام بجولة عربية زار خلالها الكويت والسعودية والأردن وسورية لتأمين الساحة العربية ضد اتفاقيات السادات، واستضاف قمة عربية في عام 1978 أدانت ما فعله السادات بالأمة العربية، وفرضت القمة نظام العزلة على السادات، وقد صاغ صدام حسين البيان الختامي بنفسه.
صدام رئيسا للعراق :
كان صدام حسين نائبا لرئيس الجمهورية، ويقوم بالكثير من المهام عن رئاسة الجمهورية في زيارات الدول وفتح علاقات جديدة مع الدول الأوروبية ودول الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي آنذاك. وتمكن من إقامة علاقات جيدة ومنفتحة مع هذه الدول، ساهمت في نمو الاقتصاد وتنميته، وتسليح الجيش العراقي.
وفي الدفع نحو التنمية والبناء، ولوقف الدعم الإيراني للأكراد في الشمال، قام صدام حسين بصفته نائبا للرئيس بتوقيع اتفاقية شط العرب في الجزائر، بتاريخ (16 مارس / آذار 1975)، مع شاه إيران. بخصوص إعادة ترسيم الحدود في منطقة شط العرب، وقسمت مناصفة بين إيران والعراق، مقابل أن توقف إيران دعمها للمعارضة الكردية.
وفي (16/6/1979) أعلن رئيس الجمهورية احمد حسن البكر استقالته، بسبب كبر سنه وضعفه وتردي حالته الصحية، فانتقلت السلطة إلى نائبه صدام حسين الذي انتخب رئيسا للجمهورية، وأمينا عاما للحزب، وقائدا لمجلس قيادة الثورة.
انجازات وأمجاد حضارية :
طوال أربعة وعشرين سنة قدم الرئيس صدام حسين للعراق وشعبه ما لم يقدمه رئيس حكم العراق من قبل، أو سيحكمه من بعد. لقد خلق العراق من الصفر، وبنى كل نهضته العلمية والثقافية والحضارية. ويكفي أن نستعرض ما كان موجودا في العراق قبل أن تدمره الطائرات الأمريكية من مؤسسات ومراكز وهيئات وجامعات، لنكتشف كم كان العراق عظيما بشعبه وقيادته :
ـ جعل العراق حرا مستقلا في قراره السياسي والاقتصادي.
ـ عمل جادا على تحقيق الوحدة العربية ولم شمل الأمة.
ـ رفض الخضوع والخنوع للضغوط الدولية والعربية من اجل التنازل عن مواقفه المبدئية من القضية الفلسطينية والقضايا العربية القومية.
ـ كان يوجد في كل مدينة من المدن العراقية محطة تلفزيونية وإذاعة محلية. بالإضافة إلى صحف ومجلات يومية وأسبوعية وشهرية.
ـ الاهتمام الكبير بالحضارة العراقية القديمة والحضارة العربية الإسلامية، لهذا تم افتتاح متاحف تضم القطع الأثرية التي يتم اكتشافها في ارض العراق في كل من مدن : بغداد، البصرة، كركوك، ميسان، دهوك، اربيل، الكوفة. وكذلك متحف قصر النمرود، ومتحف الرواد، ومعبد نابو شخاري، ومتحف نينوي ومتحف أور، ومتحف موقع تل اللحم.
ـ بناء المسارح ومراكز الفنون، وإنشاء معاهد لدراسة الموسيقى، وإنشاء الفرق الموسيقية والفنية، وبناء القاعات للعروض الفنية والثقافية، مثل : المسرح الوطني، مسرح الخيمة، مسرح البصرة، مركز صدام للفنون، قاعة الفنون والتراث، قاعة التحرير، قاعة النصر، قاعة الشعب، معهد الدراسات النغمية، مدرسة الموسيقى والباليه، قصر المؤتمرات، قصر الثقافة والفنون القصر العباسي، مركز دائرة السينما والمسرح، وغيرها.
ـ بناء أكثر من 5500 مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية في جميع أنحاء العراق وجعل التعليم مجانيا من الروضة حتى الدكتوراه. وإصدار قانون محو الأمية وتطبيقه بحزم على العراقيين، وقد أشادت به الأمم المتحدة واعتبرته النموذج الأكثر نجاحا في دول العالم الثالث.
ـ إنشاء 16 جامعة وكلية لمختلف التخصصات العلمية والثقافية موزعة على المدن الكبرى في العراق. بالإضافة إلى إنشاء كليتين عسكريتين، وكليتين للأركان، وكليتين للشرطة، وكليتين للقوة الجوية، وجامعة البكر للدراسات العسكرية. كذلك استحداث هيئة للتصنيع العسكري ثم وزارة التصنيع العسكري.
ـ الاهتمام بمراكز البحث العلمي والتكنولوجي، فقد كانت كل جامعة من جامعات العراق تضم مركزا أو أكثر من مراكز البحث العلمي في شتى صنوف المعرفة.
ـ إرسال الآلاف من الطلاب العراقيين إلى الجامعات الأوروبية للتخصص في العلوم الهندسية والتطبيقية، والعلوم الفيزيائية، وغيرها من التخصصات بحيث أصبح العراق يضم جيشا من المهندسين والعلماء قدر بأكثر من 15 ألف عالم.
ـ تمكن العراق من تطوير وتصنيع المعدات والقذائف والدبابات ومختلف أنواع الأسلحة، منها : الدبابة أسد بابل، وصواريخ ارض ارض (الطارق والحسين والعباس وأبابيل والصمود)، وصواريخ ارض جو (صاروخ التقاطع المضاد للصواريخ، وصاروخ العابد العابر للقارات)، وطائرات الاواكس (عدنان 1 و 2)، وتصنيع المكثفات النووية، والتوصل إلى طريقة ثالثة للتفاعل النووي.
ـ حصول العراقيين على أعلى نسبة من شهادات الماجستير والدكتوراه في العالم، وذلك حسب النسبة السكانية.
ـ كان العراق الدولة العربية الوحيدة التي لا يوجد فيها أمية، بل كل الشعب العراقي يعرف القراءة والكتابة.
ـ الاهتمام بإنشاء المستشفيات والمراكز الصحية في كل بقعة من ارض العراق وتطبيق نظام صحي يقوم على العلاج المجاني لكل مواطن عراقي، وهو نظام اعتبرته منظمة الصحة العالمية من أرقى الأنظمة في العالم.
ـ العناية الكاملة بكل المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية. وبناء أكثر من 850 مسجدا وجامعا على نفقة الدولة مصممة على احدث النظم في فن العمارة العربية. فقد وصل اهتمام الرئيس صدام بالنواحي الدينية إلى بناء مسجدا كل عام. والاهتمام الكبير بالعتبات المقدسة في كربلاء والنجف وغيرها. وكل الأماكن المقدسة للطوائف الدينية بالعراق. وكذلك المساعدة المادية وتخصيص الأراضي لبناء الكنائس المسيحية وهذا يعد أمرا فريدا في العالم الإسلامي.
ـ ربط العراق كله بشبكة الكهرباء حتى دخلت الكهرباء إلى كل بيت عراقي مهما كان وضعه أو موقعه على الخارطة العراقية. وكذلك بشبكة المياه فالعراق لم يعان قطعيا من أزمة في المياه. وبناء شبكة من الطرق السريعة التي تعد الأفضل في الوطن العربي. وإنشاء السدود الحديثة والعملاقة على نهر دجلة.
ـ الاهتمام الموسع بالأراضي الزراعية واستصلاح الأراضي وزراعتها، حيث تم استصلاح مئات الآلاف من الدونمات من الأراضي الصبخة في جنوب العراق ووسطه، كلفت عشرات الملايين من الدولارات، بالإضافة إلى توزيع مئات الآلاف من قطع الأراضي على الفلاحين، بالإضافة إلى توزيع الأراضي الزراعية على خريجي كلية الزراعة مجانا لاستغلالها في مشاريع زراعية ومنحهم الأدوات والبذور والأسمدة والمستلزمات الزراعية بأجور رمزية. وكذلك إقامة مراكز أبحاث زراعية تعد من أرقى المراكز لتطوير القطاع الزراعي. حتى أصبح العراق يعيش على الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية وصاحب الأربعين مليون نخلة.
ـ توفير 75% من السلة الغذائية الأساسية للشعب العراقي والعرب المقيمين في العراق خلال فترة الحصار الجائر، وتوزيعها عليهم ضمن بطاقة الحصة التموينية لقاء مبالغ رمزية، ثم إعادتها إليهم مع رواتبهم.
ـ تشكيل التقسيمات الإدارية للعراق، وتحويل الاقضية إلى محافظات، وبناء قرى نموذجية فيها.
ـ وضع الخطط الخمسية للتنمية وبناء البنى التحتية للصناعة والاقتصاد العراقي وبناء أكثر من 1200 مصنع ومعمل ومنشأة صناعية في شتى الصناعات مثل : الفوسفات، الصناعات البتروكيماوية، الاسمنت، صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية، الصناعات الإنشائية، الصناعات الميكانيكية، الصناعات الهندسية، صناعة السيارات، صناعة الألبان، صناعة السكاكر، الصناعات الصوفية والقطنية، وصناعة النسيج والألبسة الجاهزة، الصناعات المطاطية والبلاستيكية، مطاحن القمح، والصناعات العسكرية وغيرها.
ـ تأمين خدمات للمواطنين العراقيين شبه مجانية في مجالات النقل والاتصالات ودعم السلع الاستهلاكية، وأسعار الملابس، والأجهزة الكهربائية المنزلية، وتوفير الماء والكهرباء بأسعار رمزية.
ـ إقامة الجسور الضخمة على نهري دجلة والفرات، وبناء السدود، ومضخات المياه، ومحطات الكهرباء، والموانئ، والمطارات الكبيرة والصغيرة عسكرية ومدنية في المحافظات، والسكك الحديدية. وغيرها.
ـ تأميم النفط العراقي، والسيطرة الكاملة على عمليات استكشاف البترول واستخراجه ونقله للمشتري، بإنشاء أسطول نفطي على درجة عالية من الكفاءة.
ـ البترول العراقي لم يكن فقط ملك الشعب العراقي، بل كل الأمة العربية استفادت من عائدات النفط العراقي، فقد وظفه الرئيس صدام في دعم الأمة العربية والوقوف إلى جانبها في كل الأزمات التي مرت عليها، وخصوصا الشعب الفلسطيني.
ـ رفع شعار نفط العرب للعرب، وتطبيقه عمليا عام 1973، وعام 2000. ودعم منظمة الأوبك وجعلها قوة سياسية واقتصادية، تحسب لها الولايات المتحدة ألف حساب. ومناداته بدفع دولار عن كل برميل نفط لدعم القضايا العربية.
ـ بناء جيش قوي مجهز بأحدث الوسائل القتالية، حتى عده الأمريكان خامس جيش في العالم من حيث إمكانياته الحربية. وزرع فيه ثقافة الجهاد وروح التحدي والمقاومة.
ـ يكفي العراق انه لا يوجد فيه تاجر مخدرات أو متعاطي للمخدرات، أو مزور للعملة أو متاجر بأقوات الناس، أو محتكر للمواد الغذائية، فقد كان الحكم قاسيا (الإعدام) على من يثبت عليه تهمة من هذه التهم. كذلك قضى على كل شبكات التجسس الصهيونية في العراق.
ـ اصدر قرارا يلزم كل شركة أجنبية تتعامل مع العراق، أن توقع على شرط يمنعها من التعامل مع الكيان الصهيوني.
ـ قام الرئيس صدام في عام 1998 بخطوة جريئة وشجاعة، إذ أمر بوقف التعامل بالدولار الأمريكي، واستبداله باليورو.
ـ في عهده حصل اللاجئون الفلسطينيون في العراق على كل حقوقهم الإنسانية فقد ساوى بينهم وبين العراقيين في كل الحقوق وليس في الواجبات.
ـ ساند القضية الفلسطينية في كل مراحل نضالها، ودفع باتجاه عدم التخلي عن مبدأ تحرير فلسطين من البحر إلى النهر. وتقديم الدعم المالي والمعنوي للقيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني. فقد دعم صمود النضال الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة خلال انتفاضة الأقصى، حيث كان يدفع لأهالي الشهداء عشرة آلاف دولار، ولأهالي الذين يقومون بعمليات استشهادية داخل الكيان الصهيوني بخمس وعشرين ألف دولار، وكذلك للذين دمر الاحتلال الإسرائيلي منازلهم. كما أمر بتسجيل كل عائلة فلسطينية في الأراضي المحتلة في البطاقة التموينية كي يتكفل بها كما يتكفل بكل عائلة عراقية. وأرسل أيضا الكوادر الطبية العراقية إلى الأردن لعلاج الجرحى الفلسطينيين.
ـ المساهمة في تكوين مجلس التعاون العربي، والعمل على إقامة مشاريع عربية مشتركة.
ـ تقديم الدعم المادي والخبراء للأقطار العربية مثل الصومال والسودان واليمن وموريتانيا، دون أية شروط أو فوائد. وتقديم الدعم المالي للشعوب العربية والأنظمة العربية، وتوفير فرص عمل لأكثر من ثلاثة ملايين مصري ومئات الآلاف من العرب في مشاريع العراق، واعتبارهم متساوين مع العراقيين في الحقوق وليس في الواجبات.
ـ الدفاع عن جميع القضايا العربية في المحافل الدولية. وفرض أولوية التعامل ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء مع الأقطار العربية مثل مصر والأردن ولبنان والسعودية وسوريا والمغرب وغيرها.
ـ دعم جميع حركات التحرر الوطنية في أفريقيا واسيا.
ـ قاد حملة إيمانية غير مسبوقة في العالمين العربي والإسلامي، وفرضها على كل أعضاء حزب البعث من القيادة وحتى اصغر عنصر.
ـ كان الرئيس صدام قريبا جدا من شعبه، فقد كان باستمرار يزور أبناء شعبه في كل أنحاء العراق من الشمال إلى الجنوب، ويتفقد أحوالهم ويطمئن عليهم. وكان يستقبلهم ويستقبل طلباتهم كل يوم، إذ خصص ساعات الصباح للجلوس مع أبناء شعبه وتحقيق طلباتهم والاستماع إلى شكواهم.
هذا غيض من فيض. إذ يحتاج الحديث عن المنجزات التي قدمها الشعب العراقي في ظل قيادة الرئيس صدام حسين إلى مجلدات كثيرة، نعجز كثيرا عن سردها، ولكن التاريخ والشعب العراقي يحفظها عن ظهر قلب، وقد شعر بقيمتها بعد ما حل به من خراب ودمار، وأصبح يشتهي جرعة ماء أو ضوء كهرباء. ويتساءل العراقيون نحن بلد النفط ونقف طوابير لنملأ خزانات وقود سياراتنا، أو نضيء سراج في بيوتنا. ونحن بلاد الأنهر ونشتهي قطرة ماء.
ملامح من الحملة الإيمانية :
شعورا من الرئيس صدام حسين بأهمية المنهج الإسلامي والإيماني في الحياة وتأثيره في تزكية النفس وسمو الأخلاق، وتهذيب السلوك ورفع المعنويات وحشد الطاقات لمقارعة الأعداء، قاد حملة إيمانية على مستوى العراق كله منذ أوائل التسعينيات. بدأها بكتابة القرآن الكريم كله بدمه، ولم يعرف مصير هذا المصحف بعد الاحتلال، فقد عرضته الفضائيات العربية في أوائل الغزو الأمريكي للعراق محفوظا في لوح من زجاج.
وقد تمثلت ملامح الحملة الإيمانية في :
ـ اصدر قرارا بإسقاط الضريبة عن أي تاجر يبني مسجدا. كما سهل الأمر على كل من يريد بناء مسجد، فيكفي أن تختار أي مكان لبناء المسجد حتى تحصل على الموافقة المباشرة، بشرط خلو الأرض من الحق الخاص، ثم اصدر قرارا، لا يوجد مثيله في البلدان العربية والإسلامية، وهو أن أي شخص يريد أن يبني مسجدا فان الدولة تعطيه جميع مواد البناء بنصف سعر السوق.
ـ أمر ببناء مسجد في كل محافظة في كل عام مرة، كهدية منه لكل محافظة في عيد ميلاده.
ـ قام ببناء الكثير من المعاهد والكليات الشرعية الإسلامية، أهمها جامعة العلوم الإسلامية التي ضمت جميع التخصصات في العلوم الإسلامية.
ـ جعل حصة التربية الإسلامية في المدارس العراقية إلزامية في الاختبارات والدرجات، وعددها يتفوق على التعليم في كل دول الخليج العربي.
ـ أمر لجنة من العلماء بتفسير القرآن كاملا، ونشره بسعر رمزي ليتمكن كل طالب ودارس من الحصول عليه. وكذلك نشر العديد من كتب أحكام التلاوة وفقه السنة والأحكام الشرعية، بالإضافة إلى الكثير من الكتب الدينية وكتب التاريخ الإسلامي.
ـ الاهتمام بالسنة النبوية وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم)، خاصة بعدما نشر الرافضة الصفوية شبههم حول أحاديث السنة. فأمر الرئيس صدام فورا بإنشاء مركز علمي لجمع السنة النبوية كلها، وأطلق عليه "مركز الإمام البخاري" وتولى مسؤوليته الدكتور ماهر فاضل، وكان عدد العاملين فيه كبير جدا، وتمويله على نفقة الرئيس. وقد وفرت له كل الإمكانيات لجمع مصادر السنة كلها.
ـ أقام الرئيس صدام بنكا إسلاميا، وتولى الدكتور عبد اللطيف هميم مسؤوليته.
ـ وأمر الرئيس بتشكيل لجنة لمنع الربا في البنوك، وكلف الدكتور عبد اللطيف هميم بذلك، وطلب من اللجنة بيان كيفية تحويل البنوك الموجودة من النظام الربوي إلى النظام الإسلامي، ولكن هذه اللجنة لم تتمكن من استكمال عملها بسبب الغزو الأمريكي للعراق.
ـ إلزام أعضاء حزب البعث من القاعدة وحتى القيادة ببرنامج شرعي علمي لهذا تم إنشاء معهد ديني مدته سنتان، يدرس العلوم الشرعية لكوادر الحزب وصدرت أوامر تحذيرية بمعاقبة المتخلفين عن حضور مثل هذه الدروس في المعهد، ومن المنهج الذي كان مقررا، هو : حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، ودراسة كتاب فقه السنة "للسيد سابق"، وكتاب منهاج المسلم "لأبي بكر الجزائري". كما أمرهم بأداء الفروض الخمسة جماعة في المسجد.
ـ اصدر قرارا في 28/2/2003، نص على : أن كل عضو في حزب البعث يلعب القمار يطرد من الحزب، أيا كانت رتبته، ويسجن ثلاث سنوات.
ـ اصدر قرارا بعقوبة كل من سب الله تعالى والنبي الكريم والصحابة.
ـ أمر بفتح محطة إذاعية للقران الكريم تبث على مدار اليوم. كما أمر بالإكثار من البرامج الدينية في القنوات والإذاعات العراقية. ونقل صلاة الجمعة مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون، ويعاد بثها الساعة الثامنة مساء.
ـ كان يقطع اجتماعاته مهما كان نوعها، سواء مع قادة الحزب أو مع القادة العرب أو مع الصحافيين، للصلاة حينما يؤذن المؤذن.
ـ اصدر قرارا لوزارة الأوقاف بتنظيم دورات قرآنية في العطلة الصيفية على مستوى العراق، وكان يحضرها عشرات الآلاف في المحافظة الواحدة، وتستمر هذه الدورات حتى بعد انتهاء فترة الصيف لمن يرغب في ذلك.
ـ جعل شهادة السنتين لدارس العلوم الشرعية، تعدل شهادة بكالوريوس في الشريعة، ويستطيع الطالب بعدها التقديم إلى شهادة الدراسات العليا.
ـ أمر بتحويل منتزه لبنان في مدينة البصرة، والذي كان مرتعا لبيع الأعراض وعقد الصفقات المشبوهة، إلى مسجد يعد الآن من اكبر مساجد البصرة.
هذه بعض ملامح الحملة الإيمانية التي قادها الرئيس صدام حسين تبرز التوجه الإسلامي الذي سار عليه في السنوات الأخيرة قبل الغزو الأمريكي للعراق، كان من نتائجها الاتهام الأمريكي للرئيس صدام بأنه على علاقة بتنظيم القاعدة.
حياته الاجتماعية :
تزوج صدام في (عام 1962) من ابنة خاله ساجدة خير الله طلفاح وكان قد خطبها أثناء وجوده في القاهرة، وأنجب منها (عدي وقصي) وثلاث بنات (رغد، وحلا، ورنا)، تزوجت اثنتان منهما من الأخوين صدام وحسين كامل، والثالثة متزوجة من احد أقربائها.
المؤامرات على العراق :
الحرب العراقية ـ الإيرانية : تمكنت الثورة الإسلامية في إيران من إسقاط الشاه في عام 1979، وأعلنت قيام الجمهورية الإسلامية. وكان من أولى القرارات التي اتخذها حكام إيران الجدد هو تصدير الثورة إلى دول الجوار والعالمين العربي والإسلامي، وبما أن دول الخليج العربي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها أمام الزحف الفكري ـ العسكري الشيعي الإيراني، خاصة
مع اقتراب قوات إيرانية من الحدود العراقية، فتصدي صدام حسين والشعب العراقي نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية للمخططات الإيرانية في المنطقة العربية وخاصة الخليج العربي.
وبدعم عربي إسلامي خليجي، خاض العراق حربا مع إيران في (22 سبتمبر / أيلول 1980)، بعد أن ألغى صدام حسين اتفاقية شط العرب التي كانت مجحفة بالحقوق العربية، وكان توقيعها في عام 1975 نتيجة ظروف خاصة كان يمر بها العراق، وقد آن الأوان لاسترداد الحقوق العربية في شط العرب والخليج العربي كله.
واستمرت الحرب ثمان سنوات، حقق فيها العراق نصرا على إيران، وجعلها تتراجع عن مخططاتها الاستعمارية. ووافق العراق في (16 مارس / آذار 1988) على قرار الأمم المتحدة رقم (598) بوقف الحرب وتبادل الأسرى.
وخرج العراق من الحرب قويا، وبجيش قوي ومدرب، وعتاد عسكري كبير، رغم الخسائر الاقتصادية والبشرية الكبيرة التي مني بها. وهذا ما لم يكن في تقديرات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، إذ كانت تقديراتهم أن ينتهي العراق عسكريا واقتصاديا، لتصبح منطقة الخليج العربي ضعيفة دون رجل ودولة قويان يحكمانها أو يتحكمان بمصيرها السياسي والأمني.
من هنا بدأت الدوائر الأوروبية والأمريكية في وضع الخطط لضرب العراق بمساعدة عربية.
اجتياح الكويت : نجحت المخططات الاستعمارية في جر دول الخليج العربي إلى تنفيذ مخططها لضرب العراق في أهم مورد اقتصادي لديه وهو البترول، وهدفهم تدمير الاقتصاد الوطني العراقي حتى لا يشكل العراق قوة تهدد المصالح الغربية في الخليج، وبالتالي جعل العراق تحت رحمة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
ونفذت الخطة بقيام دول الخليج وعلى رأسهم الكويت بمطالبة العراق بديون دفعت له خلال حربه مع إيران على سبيل الدعم العربي للعراق. وأثناء الحرب استغلت الكويت ظروف العراق واستولت على حقول الرميلة العراقية بدعوى أنها ضمن الحدود الكويتية. وقامت الكويت رغم الاتفاق العربي على خفض الإنتاج من النفط لصالح العراق، بزيادة إنتاجها بشكل كبير مما أدى إلى تدني أسعاره في الأسواق العالمية، مما أثر على وضع العراق الاقتصادي بصورة كبيرة، خصوصا وانه خارج لتوه من حرب ضروس أكلت لديه الأخضر واليابس، دفاعا عن هؤلاء الذين يسعون الآن لضربه في العمق وفي مقتل الدولة والشعب.
وقد حاولت العديد من الدول العربية منها مصر والأردن ودول خليجية التوسط لحل الخلافات القائمة بين البلدين، إلا انه أمام الإصرار الكويتي على ما ادعاه من حقوق له لدى العراق، بالإضافة إلى الاهانات التي وجهها حكام الكويت للرئيس صدام حسين والشعب العراقي فشلت الوساطات. ولم يكن أمام الرئيس صدام حسين إلا خيارين : إما أن يسكت على قتل شعبه وتدمير اقتصاده، أو يحتكم إلى تصرف آخر.
وكان الخيار العسكري الوسيلة الأخيرة والوحيدة لوقف الكويت عن غيها ضد العراق وشعبها. ففي (2 أغسطس / أب 1990)، اجتاحت القوات العراقية الكويت وهرب حاكم الكويت وحاشيته الملكية إلى السعودية. وتقدمت أمريكا بعرض للسعودية بنزول قوات أمريكية في أراضيها دفاعا عن الكويت وتم لها ما أرادت رغم إعلان الرئيس صدام عن نيته الانسحاب من الكويت.
ولكن المؤامرة العربية الأمريكية كانت اكبر من السماح للعراق بإخراج قواته من الكويت، بل يجب تدمير هذه القوات التي خرج بها منتصرا من الحرب وتشكل تهديدا للمصالح الغربية والأمريكية في منطقة الخليج العربي وكذلك لإسرائيل. وبالتالي تدمير كل مقومات العراق الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، وعودة العراق إلى عهد العصور البدائية، كما قال وزير خارجية أمريكا آنذاك.
عاصفة الصحراء وفرض الحصار على العراق : شكلت الولايات المتحدة تحالفا دوليا ضم أكثر من ثلاثين دولة، من بينها دول عربية وإسلامية، لضرب العراق وجيشه وقيادته. وبعد حرب ضروس استخدمت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها كل أنواع الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا، ألقتها فوق العراق وشعبه، ودمرت كل مقوماته الحياتية والاقتصادية. إلا أن العراق لم ينهزم رغم خروجه من الكويت بقرارات الأمم المتحدة، في (28 فبراير / شباط 1991). فقد بقي صدام حسين رئيسا للعراق، وبقي الشعب العراقي مؤمنا بقيادته وبإرادته الوطنية والقومية.
هذه الإرادة هي التي دفعت العراقيين يدا بيد إلى إعادة ما دمرته آلة الحرب الأمريكية في زمن قياسي، أذهل العالم وكل المراقبين السياسيين والدوليين. فصدرت قرارات الأمم المتحدة التي تفرض الحصار الاقتصادي على الشعب العراقي بهدف دفعه إلى التمرد على قيادته وإسقاطها، إذ أصبحت أمريكا كل هدفها هو إسقاط حكم الرئيس صدام حسين. ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على الجوع والفقر والحرمان، ومقتل أكثر من مليون ونصف المليون من أطفال العراق نتيجة نقص الأدوية والمواد الغذائية. فقد بقي شعب العراق شامخا بقيادته ومدركا لكل المؤامرات التي تحاك ضد صموده وإرادته القومية.
العراق ولجان التفتيش : دخل العراق مرحلة جديدة من المؤامرات الدولية وبمساندة عربية. إذ أصدرت الأمم المتحدة، بضغط أمريكي، قرارا بتشكيل لجان تفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق كخطوة لرفع الحصار عنه، وتولى مهمة اللجنة الأولى "ريتشارد باتلر"، والثانية "هانز بليكس". وبدأ "باتلر" عمله في عام 1994 وحتى ديسمبر / كانون أول 1998، وقامت فرق التفتيش بالبحث في كل أجزاء العراق حتى أكثر الأماكن حساسية ووصل الأمر حتى القصور الرئاسية، ولم تكتشف أي سلاح نووي لدى العراق.
وقد اكتشف العراق أن "باتلر" لديه مهمات استخباراتية وليس مندوبا دوليا محايدا، مما حدا به إلى عدم التعاون معه، فاتهم "باتلر" العراق بعدم التعاون معه، فقامت الطائرات الأمريكية والبريطانية في عام 1998 بقصف مراكز الاتصال العراقية والأهداف الحكومية والعسكرية وأهداف مدنية بأكثر من 500 صاروخ لمدة أربعة ليال متواصلة، وأعلنت الدولتان بكل وضوح عزمهما على الإطاحة بالرئيس صدام حسين، وهذا كان أول اعتراف رسمي من الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا عن نيتهما إسقاط الرئيس صدام وبالتالي إسقاط النظام العراقي والدولة العراقية بكل مؤسساتها ورموزها التاريخية والوطنية والقومية.
احتلال العراق :
كان بحث الولايات المتحدة على أسلحة دمار شامل في العراق، ليس الهدف منه حماية المنطقة كما ادعت، إنما حماية نفسها في حالة دخولها إلى العراق. فقد اتخذ قرار احتلال العراق وإسقاط الرئيس صدام حسين منذ بداية تولي جورج بوش الابن حكم أمريكا.
فقد كان واضحا أن الهدف الحقيقي من غزو العراق واحتلاله وإسقاط نظامه الوطني والقومي، هو ضرب المشروع القومي النهضوي العربي الذي حمله العراق وعمل على تحقيقه وسخر له كل إمكانياته، وفي مقدمة هذا المشروع تحرير فلسطين والتصدي للمشروع الاستعماري الصهيوني الذي تمثله دولة إسرائيل، وقد تأكد ذلك من خلال الدور الذي لعبته إسرائيل في التحريض على غزو العراق واحتلاله، وفي الدور الذي تقوم به الآن داخل العراق من قتل وتدمير وتقسيم.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بدأت وسائل الإعلام الأمريكية في الترويج ضد حكم صدام حسين، في ظاهرها تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل وفي باطنها حرب بالوكالة لحماية تل أبيب ومشاريع إسرائيل التوسعية، وأعلن بوش أن نظام صدام حسين يمثل احد محاور الشر في العالم وأخذت الإدارة الأمريكية وحليفتها بريطانيا في تلفيق الأكاذيب حول قدرة العراق النووية وما يمتلكه من أسلحة كيماوية ونووية تؤثر على الاستقرار في المنطقة، وعن علاقة صدام حسين بتنظيم القاعدة ودعمه للإرهاب الدولي.
وشكلت الولايات المتحدة قوى عراقية من عملائها ادعت بأنهم قوى معارضة لحكم الرئيس صدام حسين, ودعمتها بالمال ولعقد المؤتمرات للتهجم على النظام العراقي وكشف مساوئه وظلمه للشعب العراقي، وبان العراقيين يريدون التخلص من هذا النظام القمعي ويحتاجون إلى من يساندهم في تحرير العراق من ظلم صدام حسين. كل هذا وفق المخططات التي رسمتها الإدارة الأمريكية للتمهيد لاحتلال العراق وإسقاط الرئيس صدام حسين.
ورغم رفض معظم دول العالم الغربي لسياسة أمريكا في احتلال العراق، إلا أنها تحدت العالم بعد أن وجدت دعما عربيا يساندها في ما تنتوي فعله في العراق وفتحت كل من الكويت وقطر والسعودية أراضيهم لجعلها قواعد أمريكية للانطلاق منها نحو العراق.
وبعد أن تهيأت كل الظروف السياسية والعسكرية المناسبة لاحتلال العراق وجهت الولايات المتحدة إنذارا إلى الرئيس صدام حسين بالخروج من العراق هو وأسرته ومنحته ساعات للتنفيذ، وإلا سيواجه الحرب لإسقاطه. ورفض الرئيس صدام الإنذار وأعلن أنه سيدافع عن بلاده وشعبه إلى آخر قطرة دم في حياته، وهو ليس بالرجل الذي يترك شعبه لينجى بروحه فهو ابن العراق رضع من حليبها وتربى على ترابها، وهو ليس بالرجل الجبان الذي يخاف من الموت، فأهلا بالشهادة على ارض العراق، كما قال.
وبدأت الولايات المتحدة في ليلة (17/3/2003) غزوها للعراق انطلاقا من الأراضي العربية، وصمد العراق شعبا وقيادة وجيشا أمام القصف البربري الذي تعرضوا له، بكل الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا، وهو ما دفع القيادة العراقية أن تتخذ قرارها بتنفيذ ما أعدته قبل الحرب من خلال تحويل الجيش إلى حركة مقاومة، انطلقت رصاصاتها الأولى منذ اليوم الأول للاحتلال. وهو ما فسر لاحقا التساؤلات التي طرحت حول سقوط بغداد السريع بيد الاحتلال.
ويعتبر يوم (9/4/2003) يوما مشهودا في التاريخ المعاصر، في هذا اليوم احتلت عاصمة الرشيد على أيدي الأمريكان والقوى المتحالفة معها. والمفارقة الغريبة، وقد تكون مدبرة، لا ندري لعل الأيام تكشف ما خبأته الملفات، أن يكون هذا اليوم هو يوم مذبحة دير ياسين في عام 1948 التي قال عنها مناحيم بيغن في مذكراته : "لولا مذبحة دير ياسين ما قامت دولة إسرائيل" مما يعني أن نكبة العراق توافقت مع نكبة فلسطين والعدو واحد.
واختفى الرئيس صدام حسين ليقود المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي وكذلك أبناؤه عدي وقصي اللذين ساهما بدور كبير في المقاومة وتنظيمها. وصدق الرئيس صدام حين قال "بان أمريكا ستحترق أمام أسوار بغداد".
لقد انطلقت المقاومة منذ اليوم الأول للاحتلال، مما يعني أنها كانت مجهزة لطارئ كالذي حدث، ولم تهنأ أمريكا باحتلالها للعراق فقد جعلتها المقاومة تشعر بأنها وقعت في مستنقع كبير، وأصبح جنودها القتلى في تزايد مستمر، وأكثر من مائة عملية فدائية تواجه يوميا. وأشارت أمريكا بأصابع الاتهام إلى الرئيس صدام وولديه بإدارة المقاومة، خاصة بعد الرسائل التي كان يبثها الرئيس صدام لرجال المقاومة من مخبأه. أخذت الولايات المتحدة تسعى بكل قوة للبحث عن صدام وولديه في محاولة منها لوقف المقاومة.
رسائل صدام للمقاومة :
وكان الرئيس صدام حسين قد أرسل مجموعة من الرسائل المكتوبة والصوتية إلى رجال المقاومة العراقية يحثهم فيها على الصمود والمقاومة :
** صحيفة القدس العربي في لندن تنشر في (30/4/2003) رسالة، مرسلة من الرئيس صدام حسين، يحث فيها شعبه على مقاومة الغزاة وطرد المحتلين وهي موقعة من الرئيس بتاريخ 28/4/2003 المصادف لتاريخ ميلاده.
** وفي (2/5/2003) يلقي الرئيس صدام حسين خطابا مصورا بثته وكالة الاسوشيتدبرس التلفزيونية. بعد أن حصلت على الشريط من موظف سابق في الفضائية العراقية، وقال الموظف انه صور بتاريخ 9/4/2003 وهو يوم اجتياح بغداد. يدعو فيه الشعب العراقي إلى المقاومة وحرق الغزاة تحت أسوار بغداد.
** وفي (7/5/2003) يبث شريط صوتي للرئيس صدام حصلت عليه صحيفة سيدني مورنينج هيرالد الاسترالية عبر مراسلها في بغداد، وقالت أنها حصلت عليه يوم 5/5/2003 من شخص أثناء تواجد مراسلها أمام فندق فلسطين في بغداد. ودعا فيه العراقيين إلى شن حرب سرية على الاحتلال الأمريكي، وقال انه يوجه رسالته من ارض العراق.
** وقناة الجزيرة الفضائية تبث يوم (5/7/2003) تسجيلا صوتيا للرئيس صدام حسين، يدعو فيه العراقيين إلى المقاومة، ويقول انه حي وموجود في العراق، ويقود المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي.
** وقناة العربية الفضائية تبث يوم (23/7/2003) خطابا مسجلا للرئيس صدام، يدعو فيه الجيش العراقي إلى المقاومة.
** ويلقي الرئيس صدام حسين رسالة صوتية مسجلة يوم (1/8/2003) عبر قناة الجزيرة الفضائية، يحث فيها العراقيين على قتال القوات المتحالفة في العراق، كما دعا العراقيين الذين استولوا على ممتلكات الدولة الامتناع عن بيعها أو تسليمها للقوات الأمريكية.
** وفي (1/9/2003) يبث الرئيس صدام رسالة صوتية عبر قناة الجزيرة الفضائية، يدعو فيها إلى مهاجمة المحتلين والمتعاونين معهم. كما نفى تورط المقاومة في انفجار النجف الذي أدى إلى مقتل محمد باقر الحكيم.
** وعبر قناة العربية الفضائية يبث الرئيس صدام حسين يوم (17/11/2003) رسالة صوتية، يدعو فيها إلى مقاومة الاحتلال الأمريكي البريطاني، وكذلك مقاومة العملاء والمتعاونين مع قوات التحالف.
استشهاد ولدي الرئيس :
تمكنت القوات الأمريكية، بمساعدة احد العملاء، من معرفة مكان اختفاء ولدي صدام، في (22/7/2003)، وكانا في إحدى الشقق بمدينة الموصل. وبعد محاصرة القوات الأمريكية للشقة بكتائب من الجنود والمدرعات والطائرات الأمريكية، بدأت معركة استخدم فيها عدي وقصي ومصطفى ابن قصي البالغ 16عاما، الأسلحة النارية الخفيفة التي كانت بحوزتهم، في حين استخدمت القوات الأمريكية كل أنواع الأسلحة الفتاكة واستمرت المعركة لأكثر من أربع ساعات. ولم يسقطوا أبناء صدام شهداء إلا بعد أن نفذت ذخيرتهم، وقصفت الطائرات الأمريكية المنزل على رؤوسهم ومع ذلك تدخل القوات الأمريكية المنزل إلا بعد أن تأكدت من أنهم قد استشهدوا وذلك بإرسال احد الجيران للتأكد من موتهم.
اعتقال الرئيس صدام :
أعلنت القوات الأمريكية في (13/12/2003) عن اعتقال الرئيس صدام حسين في إحدى المواقع تحت الأرض في مدينة تكريت. ولكن الشواهد والأدلة التي كشفت لاحقا أثبتت كذب الرواية الأمريكية لعملية الاعتقال والموقع الذي اعتقل فيه. فقد كان الرئيس صدام معتقلا منذ فترة لدى القوات الأمريكية ويتعرض لعملية غسيل للدماغ، وحقنه بمواد مخدرة، حتى يظهر بالصورة التي ظهر فيها أمام العالم. فهذا هو الرجل الذي تحدى أمريكا، وأطلق (39) صاروخا على إسرائيل، انه شخص مذعور استسلم دون قتال. صورة فيها اهانة وإذلال لشخصه، ولكل الذين أحبوه وناصروه، لكسر معنوياتهم وإرادتهم.
وفي يوم (9/1/2004) اعتبرته الإدارة الأمريكية أسير حرب ويحق له جميع الحقوق المنصوص عليها بموجب معاهدة جنيف الدولية لأسرى الحرب، وبالتالي لا تجوز محاكمته أو الحكم عليه من قبل قوات الاحتلال. إلا أن الولايات المتحدة تراجعت عن موقفها السابق، وقررت تقديمه إلى المحاكمة في تموز / يوليو 2004.
وبدأت محاكمة الرئيس صدام حسين في (19/10/2005) أمام محكمة عراقية مشكلة من الإدارة الأمريكية. وقد أدانتها كل منظمات حقوق الإنسان واعتبرتها غير عادلة وغير نزيهة ولا يحق للاحتلال إجراء المحاكمة.
وقد تمكن الرئيس صدام بصموده وجرأته وشخصيته المعروفة، من تحويل هذه المحاكمة إلى محاكمة للعملاء والخونة والمحتلين، فارتفعت وتعززت لدى الجماهير العربية مكانته التي رأت فيه قائدها الحقيقي الذي لم يتخل عن مبادئ الأمة وأهدافها، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي كانت شاغله الأول، حتى وهو في المعتقل ـ كما ذكر محاميه خليل الدليمي ـ كان دائم السؤال عن شعب فلسطين وانتفاضته ونضاله.
وأمام هذه البطولات التي أبداها الرئيس صدام أمام المحكمة، والتي ترافقت مع تصاعد المقاومة وبطولاتها وعملياتها الفدائية وخسائر المحتلين أدركت الإدارة الأمريكية أن صدام حسين هو قائد المقاومة ورمزها والمخطط لها، فراحت تساومه. فقام بزيارته في المعتقل وزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد"، وعرض عليه إطلاق سراحه ونقله وعائلته إلى أي بلد يشاء مقابل أن يوجه خطابا لشعبه بوقف المقاومة. ولكن هذه المقابلة تحولت إلى محاكمة من قبل صدام حسين لرامسفيلد وإدارته الأمريكية، فخرج رامسفيلد يجر أذيال الخيبة والهزيمة، بعد أن تلقى درسا لم يسمعه في حياته.
وفي (5/11/2006) المحكمة الأمريكية العراقية تدين الرئيس العراقي صدام حسين بارتكاب جرائم بحق الإنسانية، وتحكم عليه بالإعدام.
وتناسى هؤلاء الذين حكموا عليه، ماذا تفعل القوات الأمريكية في بلادهم من جرائم كل يوم بحق الشعب العراقي، حتى وصل عدد الشهداء العراقيين إلى أكثر من 700 ألف عراقي، هؤلاء قتلوا في عمليات الجيش الأمريكي ضد المدنيين في مدن العراق.
وتم تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس صدام حسين، في الساعات الأولى من صباح يوم عيد الأضحى المبارك (30/12/2006). وقد بكته الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وفتحت بيوت عزاء، وخرجت في مظاهرات تندد بإعدامه، متحدية أنظمتها التي خرست وعاشت في صمت القبور خوفا ورعبا من سيدتهم الولايات المتحدة.
وللتاريخ وللأجيال القادمة نقول إن الرئيس العراقي صدام حسين مازال رغم إعدامه هو رئيس العراق وزعيمه الخالد. فهؤلاء الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الأمريكية لا يمثلون العراق وشعبه، فهم مجموعة من المرتزقة جمعتهم أمريكا وفرضتهم على الشعب العراقي بانتخابات صورية وعينت رئيسا إمعة لا يحكم على نفسه، أي أن الشعب العراقي لم يختار هؤلاء حكاما له، فمازال صدام حسين هو رئيس العراق الذي اختاره الشعب يوم (15 أكتوبر / تشرين الأول 1995) في استفتاء شعبي رئيسا للعراق بنسبة 99% من أصوات الناخبين، وكذلك في (15 أكتوبر / تشرين الأول 2002) جددوا له العهد رئيسا للعراق بنسبة 100%.
هذا هو العراق وشعب العراق الذي خرج في مظاهرات كبيرة يهتف بحياة صدام حسين ويندد بإعدام رئيسه، حتى أهالي الدجيل الذين حكم بسببهم تظاهروا ضد قرار إعدامه وذهبوا إلى تكريت للعزاء فيه. وقد دفن الرئيس صدام في مسقط رأسه في مسجد بناه يوم الأحد (31 ديسمبر / كانون الأول 2006).
وللتاريخ وللأجيال القادمة أيضا، نسجل مواقف الرئيس العراقي صدام حسين أثناء تنفيذ حكم الإعدام. حين هتف بحياة العراق، وفلسطين، والأمة. وتقدم نحو الموت مبتسما شامخا مرفوع الرأس رابط الجأش، غير هياب ولا وجل، مرددا الشهادتين، في مشهد لم يتميز به احد كما تميز به صدام، ولم تشهد الأمة العربية، ولا أمم العالم مثيلا له من حيث البطولة والرجولة والشموخ، وهو ما منحه رضا الله ورضوانه بقبوله شهيدا للحق والخير. وما أكد مكانته كقائد ورمز للأمة، سيجعله خالدا في أذهان الجماهير العربية التي لن تتخلى عن الوفاء له بالتزام مبادئه ومثله، والسير على طريق النضال والتحرير التي رسمها لها.